فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 212

هذا البناء الرائع ليس مدرسة لتعليم الشعب، ولا مستشفى لتمريضه، مع أنه حجرا حجرا من مال الشعب. أما ولائمهم وملابسهم وأعراسهم وأحفالهم وسائر شئونهم، فإن وصف ما يلابسها من بذخ وسعة يتطلب من الأسفار حمل حمار .. ولا تزعم أن هذا البلاء كان حكرا على بلد بعينه فإن أقطار الدنيا الأخرى ظلت تحت وطأته زمنا، حتى تخلصت عدة منها من قيوده .. ولا تزال الأخرى تجاهد في طريق الخلاص. وحكم الإسلام على هذا الضرب من اللصوصية لا يحتاج إلى فقه عميق أو فلسفة معقدة إلا إذا احتاج ضوء النهار إلى دليل. إن الحاكم المطلق يتشهى ما يشاء فلا ينقطع شىء دون أمانيه الحرام، والحلال عنده ما حل في اليد، أما الدين وتعاليمه ففكاهة النهار وسمر الليل. والمعروف أن الشعوب إذا حكمت نفسها بنفسها، وانتدبت لمهام القيادة من تراهم أهلا لها منحتهم أجورا مجزية لجهودهم، ولم تبخل عليهم بمستوى كريم من العيش الآمن الكريم. ونحن اليوم نرى نظما شتى تتفق على هذا المبدأ، فعلى ما بين أساليب الحكم في إنجلترا وفرنسا وروسيا وأمريكا من فروق، نرى الحاكمين هنالك قد قررت لهم رواتب لا وكس فيها ولا شطط، ثم رسمت لهم حدودا لا يعتدونها .. وهذا حسن معقول، لكن الحكم المطلق لا يعترف بهذه المعانى جميعا، فلا الحاكم يرى نفسه منتدبا من الشعب، ولا هو يرى المال الذى يصل إليه أجرا لعملهـ إن كان له عمل- ومن ثم فليست هنالك إطلاقا حدود يقف لديها في النفقة، إلا فراغ شهواته، وشهوات آله، وهى لا تفرغ حتى الممات .. ونظرة الإسلام إلى حق الحاكم في المال العام معروفة. وقد كان عمر يرى نفسه على أموال المسلمين كولى اليتيم، إن احتاج أخذ قدر حاجته، وإن استغنى استعف"ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف". 047

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت