(فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا * عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) . وهذا التحذير الرادع، والتخويف الواضح، ليس قسوة من القدر على الأمم التى تَخْتَلُّ فَتُحْتَلُّ، والتى يسهل الظلم فيها فيسهل الظلم عليها .. فإن هذه الأمم أعضاء مريضة، في جسم العالم الإنسانى الحى. ولابد من علاجها لتصح حالة العالم كله. وقد تكفل القدر بهذا:! (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) ومما يتصل بالكرامة الاجتماعية للأمة، أن يتقرر فيها مبدأ تكافؤ الفرص وإتاحة العلم والعمل والمغانم للجميع، على سواء ... وهذا من أوليات العدالة، التى شرع الله لعباده. ومما يذكر أن عمر بن الخطاب أقر هذا المبدأ على أولاده، ورفض أن يتميز أولاد أمير المؤمنين على سائر المؤمنين. فقد أرسل أبو موسى الأشعرى ـ لما كان واليا للكوفة ـ بعض الأموال الحكومية إلى عمر، مع ابنين له، كانا مجندين في الجيش القافل من الكوفة إلى المدينة، وأراد أبو موسى أن ينفع ابنى عمر من هذا المال المرسل إلى أبيهما، فدلهما على شراء بعض المحاصيل الرخيصة في الكوفة، ليبيعاها بثمن أغلى في المدينة، ويأخذا لنفسيهما الفرق! ولكن عمر استولى على المال المرسل، وقاسمهما الربح الزائد، لأن هذه الفرصة ما كانت لتتاح لرجال الجيش على سواء، ولا لابنيه بصفتهما الشخصية!. إنما أتيحت لهما، لأنهما من بيت الحكم، والربح من هذا الطريق لا يجوز!! وهذا التصرف من عمر شدة إحساس منه بضرورة تكافؤ الفرص بين المسلمين، وضرورة قطع الطريق، على الوسائل المريبة في الاستغلال، وجر المنافع الشخصية، وتسليط الوساطات المغرضة، لاقتناص الفرص السانحة، من أية سبيل، وبأى ثمن. 082