فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 493

حكاية: اتفق جماعة من أهل أشبونة، وهم ثمانية أنفس وكلهم بنو عم، فأنشئوا مركبا كبيرا وحملوا فيه من الزاد والماء ما يكفيهم مدة طويلة وركبوا متن هذا البحر ليعرفوا ما في نهايته ويروا ما فيه من العجائب، وتحالفوا أنهم لا يرجعون أبدا حتى ينتهوا إلى البر الغربي أو يموتوا. فساروا فيه ملججين أحد عشر يوما، فدخلوا إلى بحر غليظ عظيم الموج كدر الريح مظلم المتن والقعر كثير القروش، فأيقنوا بالهلاك والعطب، فرجعوا مع البحر في الجنوب اثني عشر يوما فدخلوا جزيرة الغنم وفيها من الأغنام ما لا يحصي عددها إلا الله تبارك وتعالى، وليس بها آدمي ولا بشر، ولا لها صاحب، فنهضوا إلى الجزيرة وذبحوا من ذلك الغنم وأصلحوه وأرادوا الأكل فوجدوا لحومها مرة لا تؤكل: فأخذوا من جلودها ما أمكنهم، ووجدوا بها عين ماء فملئوا منها وسافروا مع الجنوب اثني عشر يوما آخر، فوافوا جزيرة وبها عمارة فقصدوها، فلم يشعروا إلا وقد أحاط بهم زوارق، بها قوم موكلون بها، فقبضوا عليهم وحملوهم إلى الجزيرة فدخلوا إلى مدينة على ضفة البحر وأنزلوهم بدار، ورأوا بتلك الجزيرة والمدينة رجالا شقر الألوان طوال القدود، ولنسائهم جمال مفرط خارج عن الوصف، فتركوهم في الدار ثلاثة أيام. ثم دخل عليهم في اليوم الرابع إنسان ترجمان وكلمهم بالعربي وسألهم عن حالهم فأخبروه بخبرهم، فأحضروا إلى

ملكهم فأخبره الترجمان [102] بما أخبروه من حالهم، فضحك الملك منهم وقال للترجمان: قل لهم إني وجهت من عندي قوما في هذا البحر ليأتوني بخبر ما فيه من العجائب، فساروا مغربين شهرا حتى انقطع عنهم الضوء وصاروا في مثل الليل المظلم، فرجعوا من غير فائدة، ووعدهم الملك خيرا. وأقاموا عنده حتى هبت ريحهم فبعثهم مع قوم من أصحابه في زورق وكتفوهم وعصبوا أعينهم وسافروا بهم مدة لا يعلمون كم هي، ثم تركوهم على الساحل وانصرفوا. فلما سمعوا كلام الناس صاحوا فأقبلوا إليهم وحلوا عن أعينهم وقطعوا كتافهم، وأخبروهم بخبر الجماعة، فقال لهم الناس: هل تدرون كم بينكم وبين أرضكم؟ قالوا: لا قالوا: فوق شهر.

فرجعوا إلى بلدهم. ولهم في أشبونة حارة مشهورة تسمى حارة المغرورين إلى الآن.

(102) الترجمان: المفسر للسان والذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة الى أخرى (اللسان 1/ 426) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت