وفي إسناد البخاريّ [16] عن مسور بن مخرمة [17] وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أنّهما سمعا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: سمعت هشام بن حكيم [18] يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستمعت لقوله فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكدت أساوره [19] في الصّلاة، فتصبرت حتى سلّم، فلبّبته [20] بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ فقال: أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت:
كذبت فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: إنّ هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله، صلّى الله (120أ) عليه وسلّم: كذلك أنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كذلك أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا بما تيسّر منه.
هذا لفظ رواية البخاري، فأمّا لفظ
رواية القعنبيّ عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ فإنّه قال:
«سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أقرأني إياها على حروف أخرى، فكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه، فجئت به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول الّله إني سمعه هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّر منه».
فهذا الحديث ينبىء [21] أنّ الحروف التي نزل عليها القرآن في المسموع لا في المفهوم كما روي من قول من تأوّله في المعاني، كالحلال والحرام وضرب الأمثال وغير ذلك من المعاني التي ذكروها، إذ لو كانت الحروف السبعة في المفهوم دون المسموع لم
(16) صحيح البخاري 6/ 227، عمدة القارىء 20/ 2120. وينظر: صحيح مسلم 561560.
(17) صحابي، توفي سنة 64هـ. (مشاهير علماء الأمصار 21، الإصابة 6/ 119، تهذيب التهذيب 10/ 151.
(18) صحابي، (الاستيعاب 1538، الإصابة 6/ 538) .
(19) أساوره: أثب عليه.
(20) أي أخذت بمجامع ردائه في عنقه وجررته به. مأخوذ من اللّبّة لأنه يقبض عليها.
(21) م: يبين.