إن أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خص بمزيد الاهتمام الاشتغال بالعلوم الشرعية المتلقاة عن خير البرية، ولا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنة نبيه المصطفى، وأن باقي العلوم إما:
آلات لفهمهما وهي الضالة المطلوبة
أو أجنبية عنهما وهي الضارة المغلوبة
وقد رأيت الإمام أبا عبد الله البخاري في جامعه الصحيح قد تصدى للاقتباس من أنوارهما البهية تقريرا واستنباطا، وكرع من مناهلهما الروية انتزاعا وانتشاطا، ورزق بحسن نيته السعادة فيما جمع حتى أذعن له المخالف والموافق، وتلقى كلامه في التصحيح بالتسليم المطاوع والمفارق، وقد استخرت الله تعالى في أن أضم إليه نبذا شارحة لفوائده، موضحة لمقاصده، كاشفة عن مغزاه في تقييد أوابده واقتناص شوارده، وأقدم بين يدي ذلك كله مقدمة في تبيين قواعده وتزيين فرائده جامعة وجيزة دون الإسهاب وفوق القصور سهلة المأخذ تفتح المستغلق وتذلل الصعاب وتشرح الصدور [1] .
ويمكن لنا بحق أن نقول أن ابن حجر قد أفنى حياته في خدمة هذا الجامع الصحيح، فقبل أن يبدأ بشرحه هيأ لنفسه الأسباب التي تعينه على إتمام هذا الشرح ومن أهم هذه الأسباب: أنه أحاط علما بالصحيح رواية ودراية، وصنف كتبًا تتعلق بصحيح البخاري تعلقا مباشرا كتغليق التعليق أو غير مباشر في علوم الرجال والمصطلح ... إلخ، كل ذلك جعله عالمًا بكل دقائق صحيح البخاري، وأعطاه القدرة على حل غوامضه وكشف خفاياه، وإظهار فوائده وكنوزه.
(1) فتح الباري: 1/ 3.