وأما بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، وآية من القرآن، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: تمت لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو - ، وقال العلماء: لا يُمكَّن المشركون من الدراهم التى فيها اسم الله تعالى. وإنما فعل ذلك، والله أعلم، لأنه في أول الإسلام، ولم يكن بد من أن يدع الناس إلى دين الله كافة وتبليغهم توحيده كما أمره الله تعالى.
وقوله: تمت فإن عليك إثم الأريسيين - يريد الرؤساء المتبوعين على الكفر، وسيأتى اشتقاق هذه اللفظة في آخر هذا الباب إن شاء الله.
قال أبو الزناد: فحذره - صلى الله عليه وسلم -، إذ كان رئيسًا متبوعًا مسموعًا منه أن يكون عليه إثم الكفر، وإثم من عمل به واتبعه عليه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: تمت من سنَّ سُنَّة سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة - .
قال المهلب: وأصله في كتاب الله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] .
وليس على البخارى في إدخاله أحاديث عن أهل الكتاب، هرقل وغيره، ولا في قوله: تمت وكان حزَّاءً ينظر في النجوم - حرج؛ لأنه إنما أخبر أنه كان في الإنجيل ذكر محمد، - صلى الله عليه وسلم -، وكان من يتعلق قبل الإسلام بالنجامة ينذر بنبوته؛ لأن علم النجامة كان مباحًا ذلك الوقت، فلما جاء الإسلام منع منه، فلا يجوز لأحد اليوم أن يقضى بشىء منه، وكان علم النجوم قبل الإسلام على التظنين والتبحيث يصيب مرة ويخطئ كثيرًا، فاشتغالهم بما فيه الخطأ الغالب ضلال، فبعث الله نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالوحى الصحيح، ونسخ ذلك العناء الذى كانوا فيه من أمر النجوم، وقال لهم: نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب.