قيل له: هو في أهل مملكته أعْنَى عن الله، وعن رسوله، وعن جماعة المسلمين منه، لو هاجر بنفسه فردًا؛ لأن أول عنائه حبسه الحبشة كلهم من مقاتلة النبى، - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمين مع طوائف الكفار، مع أنه كان ملجأ لمن أوذى من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وردءًا لجماعة المسلمين، وحكم الردء في جميع أحكام الإسلام حكم المقاتل، وكذلك في رد اللصوص والمحاربين عند مالك وأكثر الكوفيين يقتل بقتلهم، ويجب عليه ما يجب عليهم، وإن كانوا لم يحضروا الفعل. ومثل تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر، فضرب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهامهم من غنيمة بدر، وقالوا: وأجرنا يا رسول الله؟ قال: تمت وأجركم - .
وقوله: تمت أسلم تسلم - هذا التجنيس في غاية البلاغة، وهو من بديع الكلام، ومثله في كتاب الله: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] .
وقوله: تمت يؤتك الله أجرك مرتين - أى: بإيمانك بعيسى، - صلى الله عليه وسلم -، وإيمانك بى بعده. ودعاية الإسلام هى توحيد الله، عز وجل، والإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولم يصح عندنا أن هرقل جهر بالإيمان وأعلن بالإسلام، وإنما عندنا أنه آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولسنا نقنع بالاعتقاد للإسلام دون الجهر به لقوله: تمت أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأنى رسول الله - ، وقد أرخص الله لمن خاف،وأكره على الكفر أن يضمر الإيمان بقوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] ، ولم يبلغنا أن هرقل أكره على شىء من ذلك فيقوم له عذر وأمره إلى الله تعالى.