وفى دنيا الوظائف كما في دنيا الأعمال الحرة تقع هذه المفارقات المثيرة. غير أن حياة الدواوين أحفل بتلك المناكر، لأن آثار الفوضى إذا ظهرت فيها أو استكنت لا تجد من يأسى عليها!! ومنذ سنوات وقعت لى حادثة مضحكة، فقد قررت هيئة الإذاعة نقل الخطبة إلى مستمعيها من الجامع الأزهر ـ حيث أصلى الجمعة ـ واتصلت بوزارة الأوقاف لترسل لها صورة النص المعد. وكلفتنى الوزارة بكتابة الخطبة المطلوبة، فصغت مطلعها على هذا النحو ـ بعد الديباجة ـ. أما بعد .. فقد قال مؤرخ أوروبى كبير: إن العالم لم يعرف فاتحا أرحم من العرب. وهذه كلمة حق أملاها الإنصاف وجانبها الهوى ... فإن المتتبع لأحوال الفاتحين في التاريخ القديم والحديث، يجد زحوفا أطلقها من مواطنها الطمع وحف مسيرها البغى، وصحب انتصارها الويل للمغلوب، والقهر للمستضعفين. فكانت هذه الزحوف بلاء على الناس، ودمارا لما عمروا ... أما العرب الذين طلعوا على الدنيا منذ أربعة عشر قرنا، وانسابوا خلالها شرقا وغربا، فقد كانت زحوفهم طرازا آخر من الفتح لم تعرف الأرض له مثيلا. لقد طلعوا وكأنهم الأشعة البازغة بعد ظلام موحش طويل .... الخ. وعرضت الخطبة على من ملكته الظروف حق المحو والإثبات في وزارة الأوقاف! فأمسك بقلمه وضرب خطوطا على هذا الكلام كله رافضا له ... وكتب بدله هذه العبارات: أما بعد: فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) . عباد الله: الإسلام دين الرحمة العامة، الرحمة بالإنسانية لا تفرق بين دين ودين، ولا بين قبيل وقبيل، رحمة بالحيوان لا تفرق بين قوى وضعيف، يقول عليه 114