وصار يكتب تفاوت علف البهائم في اليوم الفلاني، والثور الفلاني مرض الليلة الفلانية، فلم يأكل عشاه تلك الليلة، ونقص من غذائه في الوقت الفلاني، وهكذا فلما حضر ابن عبد الرحمن ثاني مرة إلى البلد أرسل خلف جدك يطلب منه قائمة المصروف، فنظر فيها ثم خرج من الخيمة مكشوف الرأس خارًا على أقدام جدك يقبلها، ويبكي، ويقول: يا شيخ علي اجعلني في حل فإني والله ما علمت بمقامك ثم صار يقول: مثل هذا الرجل يكون وكيلا عني، وأخبرني عمي الشيخ عبد الرحمن رحمه الله قال: أهدي لنا سيدي محمد عبد الرحمن ثلاثة أطباق على رءوس ثلاثة من العبيد في واحد أثواب صوف، وشاشان وثياب بعلبكية، وفي الآخر حلاوة، ومكبرات، وفي الآخر أنواع من الطيب فرد القماش وقبل الحلاوة، والطيب.
وفرق الطيب على صبايا البلد، والحلاوة على أيتام البلد، ولم يذق هو ولا أهل بيته شيئًا من ذلك، وأراد عمي عبد الرحمن أن يأخذ له إصبعًا من الحلاوة فمنعه وقال يا ولدي هذا سم في الجسد فإنه كان جده يقبض العشور انتهى قال: سيدي خضر، وقد عاشرت جدك، وأنا مباشر البلد إلى أن مات فما رأيته وضع يده في طعام الفلاحين، ولا أخذ على شهادته لهم في الخراج، والإجارات، وعقود الأنكحة، ولا خطابته لهم، ولا إمامته بهم درهما واحدا قال: وكان يفضل للفلاح على أستاذه الدرهم الواحد فيكتبه للفلاح لثاني سنة، ويقول لو أمكنني تخليصه لك هذه السنة لخلصته لك من أستاذك،. وكان إذا ضاق به الحال من حيث الكسب بالبيع يكتب المصاحف ويصنع الطواقي المضربة دالة في قلب دالة، وكل واحده يعطونه فيها الدينار الذهب.
ويقولون إن كل طعنة فيها مرقية بكلمة من القرآن لأنه كان إذا خاط يقرأ مع ذلك القرآن فكان يحسب رأس ماله فيها وأجرة مؤنته وخياطته، ويتصدق ببقية الدينار على الأرامل، والمساكين، وبلغني عنه أنه كان يقرأ القرآن، وهو ينسخ كتب العلم لا يشغله أحدهما عن الآخر، وتخرج كتابته سالمة من الغلط مع ذلك، وأخبرني جماعة ممن كانوا يقرءون عليه أنه كان يأكل اللبن، والطعام المائع مع المجذومين ويقول: إن هؤلاء خاطرهم مكسور، وكان الذين يقرءون عليه يقولون: ما رأيناه قط نائما في النهار في أيام الصيف، ولا غيره.
وكان رضي الله عنه يقول: إن النهار لم يجعل للنوم، ولما حج وتلقاه الناس وافق طلوعه للبلد أذان العصر فصعد سطح الزاوية، وأذن، ونزل وصلى بالناس ثم نزل فنظف بيوت الخلاء، وملأ الميضأة قبل دخول الدار ثم شرع من تلك الليلة في ملء الأسبلة المتقدم ذكرها على يديه على عاداته، ولم يسترح كما يقع للحجاج، وكان يقول: الوقت سيف، ولما جاء من الحج كثر بكاؤه، وحزنه زيادة على ما كان عليه قبل الحج، ولم ير ضاحكا قط حتى مات، وكان إذا لبس القميص أو العمامة لا ينزعها للغسل قط إلا إن نزعوها، وكانوا ينسونه بعض الأوقات فتصير كالوحل، ومع ذلك على ثيابه الفخر، والنور يخفق منها من نور الأعمال، وكانت عمامته من الصوف الأبيض، وكان أشبه الناس بجدي الشيخ نور الدين الشوني رضي الله عنه شيخ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجامع الأزهر، وغيره في وجهه، ولحيته وهمته، وجسمه حتى إن الجماعة الذين قرءوا على جدي كلهم مطبقون على ذلك، وكانوا يذهبون إلى الجامع الأزهر لرؤية الشيخ نور الدين لشبهه بجدي لا غير، ولما دفن سيلي نور الدين الشوني رضي الله عنه رأيته ثاني يوم فقال: لي جاءني جدك إلى هنا هذه الليلة، وقال: آنست مكانك، لماذا كان لك حاجة فنادني أحضر إليك في الحال ورأيت بينهما اتحادا عظيما، ولذلك جعلنا اسميهما مسبوكين معا في الدعاء لهما في قراءة الأسباع والكرسي، وغيرهما في الزاوية التي دفن فيها الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى واحد يدعى له بقرينة تخصه فإن كلا منهما والدي رضي الله عنهما، وكان رضي الله عنه يقول: لا يعجبني كثرة العبادات من العبد.
وإنما يعجبني كثرة خوفه من الله عز وبئ، ومناقشته لنفسه، ورافقه مرة في سفره من القاهرة إلى بلده رجل عليه آثار الفقراء، فقال له: جدي ما حرفتك قال له: مؤذن في جزيرة الفيل فقال له: هل أقمت مقامك نائبا فقال الأمر سهل، فقال: هذا فراق بيني، وبينك، وساق وتركه، وكان رضي الله عنه لا يمكن أحدا من الفقراء البرهامية يفعل شيئا في بلده مما يفعلونه في غيرها من أكل النار، ودخولها، وجر السيف غلى اللسان، وعلى الكف، ويقول: إن كنتم برهامية فأتوا لنا بالبرهان على ذلك من الكتاب، والسنة أو من فعل سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه فانتصر جماعة من البلد للفقراء على جدي.
وقالوا لا بد أن يفعلوا هذه الليلة ذلك حتى تنفرج عليهم فأتاهم تلك الليلة