فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1140

وإذا كان الأمر على ما وصفنا، وكان الله تبارك وتعالى لم يهيء الناس هيئة من سفل إلى علو من غير سبب يتعلق به، فيمسك قدميه، احتاجوا في الانتقال من الأرض إلى الجنة إلى سبب متصل من طرف الأرض إلى طرف الجنان، فكان ذلك هذا السبب هو الصراط الذي جاء به الخبر.

وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن على جهنم جسرًا أعلاه نحو الجنة وخص منزله بجنبيه كلاليب ومسك من النار، يجلس الله تعالى به من يشاء من عبادة الزالون والزالات يومئذ كثير، والملائكة بجنبيه قيام ينادون: اللهم سلم، ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يحصر عليه كحصر الفرس السابق، ومنهم من يشد عليه شدًا، ومنهم من يهرول ومنهم من لا يعطي نور إلا قدر قدميه، ومنهم من يحبو حبوًا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول زمرة سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر.

ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء حتى يخلصوا إلى الجنة برحمة الله».

وفي بعض الروايات في هذا الحديث «أن الصراط أدق من الشعر، وأحد من السيف» والمعنى ـ والله أعلم ـ أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله - تعالى جده - لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا، وضرب المثل به بدقة الشعر، فهذا والله أعلم من هذا الباب.

وأما أنه أحد من السيف، فيكون معناه ـ والله أعلم ـ أن الأمر الدقيق الذي يصله من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حدة السيف ومضيه، إسراعًا منهم إلى الطاعة وامتثالًا، ولا يكون له مرد، كما أن السيف إذا نفذ بحدة وقوة ضاربة في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد.

فأما أن يقال: إن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر، فذلك مرفوع بنفس هذا الحديث، لأن فيه: «أن الملائكة يقومون بجنبيه ويقولون: اللهم سلم سلم» وفيه «أن فيه كلاليب ومسكا» وفيه «أن ممن يمر على الصراط من يقع على بطنه، ومنهم من ينزل ثم يقوم» وفيه: «أن من الذين يمشون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه» وفي ذلك إثبات أن المارين عليه مواطئ الأقدام» ومعلوم أن دقة الشعر لا تحتمل هذا كله.

وقد سألت أحد الحفاظ عن هذه اللفظة فذكر أنها ليست ثابتة.

فأما أن لا يشتغل بها، وأما أن يحمل على المعنى الذي ذكرنا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت