وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب، وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون يكتب الجميع متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون لا يكتب أصلا، وبعضهم يقولون: يكتب أولا ثم يمحى, وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب هو معنى قوله تعالى: يَمْحُو
ص -429 - اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39] .
والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه. قالوا: إن في الآية نعتا محذوفا سوغ حذفه العلم به، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف، ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء، وقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79] , أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها بدليل قوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] , وقوله تعالى: {نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الإسراء:58] , أي قرية ظالمة بدليل قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59] ، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر:
ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد
أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص:
من قوله قول ومن فعله فعل ومن نائله نائل
أي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل.
قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66] .
قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} .
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم {يَوْمَ نَقُولُ} بالنون الدالة على العظمة. وقرأه نافع وشعبة:"يَوْمَ يَقُولُ"بالياء، وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله، واعلم أن الاستفهام في قوله: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} فيه للعلماء قولان معروفان:
الأول: أن الاستفهام إنكاري كقوله تعالى: {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:47] , أي ما يهلك إلا القوم الظالمون، وعلى هذا، فمعنى {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} لا محل للزيادة لشدة امتلاء النار، واستدل بعضهم لهذا الوجه بآيات من كتاب الله كقوله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13] , وقوله تعالى:
ص -430 - {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:119] قال: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ, لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} [يس:7] ، لأن إقسامه تعالى في هذه الآية المدلول عليه بلام التوطئة في {لَأَمْلَأَنَّ} على أنه يملأ جهنم من الجنة والناس، دليل على أنها لا بد أن تمتلىء، ولذا قالوا: إن معنى {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ، لا مزيد، لأني قد امتلأت فليس في محل للمزيد، وأما القول الآخر، فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ؟ هو طلبها للزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط أي كفاني قد امتلأت، وهذا الأخير هو الأصح، ولما ثبت في الصحيحين، وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن جهنم لا تزال تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط"، لأن في هذا الحديث المتفق عليه التصريح بقولها"قط قط"، أي كفاني قد امتلأت، وأن قولها قبل ذلك هل من مزيد لطلب الزيادة، وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، وقد قدمنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)