يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه.
قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة اهـ منه، والمعنى واضح لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله.
ص -427 - والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد، والأظهر أن معناه المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى الماكل، والنديم بمعنى المنادم، وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائما أو غالبا يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي:
قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فيجعا
والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوى رمان
وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
وقول ضبائي بن الحارث البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
فقول ابن أحمر: كنت منه ووالدي بريئا أي كنت بريئا منه وكان والدي بريئا منه.
وقول ابن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض: أي نحن راضون وأنت راض.
وقول ضابىء بن الحارث: فإني وقيار بها لغريب: يعني إني لغريب وقيار غريب، وهذا أسلوب عربي معروف، ودعوى أن قوله في الآية: {قَعِيدٌ} هي الأولى أخرت وحذفت الثانية لدلالتها عليها لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ} , أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام {إِلَّا لَدَيْهِ} ، أي إلا والحال أن عنده رقيبا. أي ملكا مراقبا لأعماله حافظا لها شاهدا عليها لا يفوته منها شيء. {عَتِيدٌ} , أي حاضر ليس بغائب يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة
ص -428 - يكتبون أعماله، جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ, يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:11 - 12] , وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80] , وقوله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ, هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:28 - 29] .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} [مريم:79] .
وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ} [الزخرف:19] ، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر؟ وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه:
اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل العبد الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أولا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} , لأن قوله: {مِنْ قَوْلٍ} قول نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة {مِنْ} ، فهي نص صريح في العموم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)