ومن مشايخه أيضًا ببلد المصطفى عليه الصلاة والسلام الشيخ عبد العزيز التونسي المتوفى عام 1336هـ حيث قرأ عليه كمًا كبيرًا من موطأ مالك مع الشرح للزرقاني وقطعة من مختصر خليل.
وممن لازمه الشيخ العربي التباني اللغوي الشهير محمد محمود الشنقيطي.
ثم بعد ذلك رحل إلى دمشق الشام حيث مكث فيها شهورًا وكان يزور مكتبة الملك الظاهر المعروفة بالظاهرية وأحيانًا كان يتردد على دار الحديث الأشرفية، ثم خرج من دمشق وقصد أم القرى مكة المكرمة بعد أن تكبد مخاطر الطريق ومشاق السفر حيث وصل مكة المكرمة في شهر رجب عام 1336هـ.
وبدأ بالدراسة والحضور في حلقات العلم بالمسجد الحرام حيث أخذ عن الشيخ
عبد الرحمن الدهام المتوفى عام 1337هـ دروسًا في فنون شتى فقرأ عليه شرح زكريا الأنصاري وأخذ عن الشيخ مشتاق أحمد الهندي. ولبراعته وحذاقته في الفهم ختم مع القراءة والمطالعة كثيرًا من الكتب الكبيرة والصغيرة والرسائل وجميعها في الطبقات والتراجم والسير والتاريخ.
وفي عام 1338هـ عين مدرسًا بمدرسة الفلاح بمكة المكرمة. ونظرًا لتفوقه ونبوغه فاشتغل بالتدريس تحت أروقة الحرم المكي الشريف بباب الزيادة ثم بحصوة باب العمرة"بين بابي الباسطية والزيادة"، بين المغرب والعشاء. فقام بتدريس الحديث والتفسير والأصول والبلاغة والتاريخ الإسلامي. وختم الطلاب عنده كثيرًا من الكتب منها الصحيحان وموطأ مالك والجامع الصغير للسيوطي وتفسير البيضاوي والنسفي وابن كثير وجمع الجوامع وسيرة ابن هشام وعقود الجمان والإتقان في علوم القرآن وتخرج من تحت يديه تلاميذ كثيرون أصبحوا بعده قناديل تضيء ساحات الحرم ومنهم العلامة علوي بن عباس المالكي والعلامة الفاضل الشيخ محمد نور سيف بن هلال والعالم الصالح محمد أمين كتبي. ومن تلاميذه أيضًا الدكتور محمد علوي مالكي.
ولقد كان من عادة الشيخ العربي التباني أن يدرس في الحرم خمس ليال في الأسبوع إلى جانب الدروس التي كان يلقيها بمدرسة الفلاح وبعد ذلك اختصر دروسه على ليلتي الجمعة والسبت في الحرم المكي حيث كان يدرس الجامع الصغير للحافظ السيوطي والسيرة مع الاستمرار في التدريس في منزله لكبار الطلبة يوميًا من الضحى إلى الظهر ثم في المساء يدرس في شتى الفنون.
ولقد كان رحمه الله صاحب فهم تام وذكاء مفرط، وكان متواضعًا معروفًا بين كل من يعرفه بالخلق الطيب الحسن.
ولقد كانت تربطه محبة ومودة مع تلاميذه الذين تلقوا العلم على يديه ومن الذين تأثروا به تلميذه الشيخ حسن مشاط فقد تأثر به تأثرًا كبيرًا حتى في معاملته.
وكثير ممن تلقوا العلم على يدي شيخنا أصبحوا فيما بعد علماء يلقون الدروس في الحرم الشريف وازدهرت بهم جنبات الحرم وأصبحت حلقاته العلمية نورا يضيء أروقة الحرم.
وكان رحمه الله يشفق كثيرًا على الفقراء وصاحب هيبة ووقار وحسن التقرير في درسه مع التوسع في الشرح والبيان، عامر الوقت بالذكر والمذاكرة ويدعو إلى الله بحاله وماله.
وللشيخ العربي التباني رأي في التأليف حيث جاء في حاشية كتابه (محادثة أهل الأدب بأخبار وأنساب جاهلية العربي) قال: لا أميل إلى التأليف عملا بنظرية القائل ما ترك الأول للآخر شيئا .. ً
ثم قال: أستغفر الله من أن أقول هذا هضمًا لحقوق العلماء الشارحين فإنهم عندي بالمكان الأعلى من التوقير والاحترام وما من شرح وحاشية إلا وفيه فوائد، ولكن أقول هذه الكثرة لم تنتج شيئًا يقارب علم الأقدمين فضلًا عن مساواته.
ويقول الشيخ العربي التباني لقد سمعت من شيخي الشيخ حمدان الونيسي رحمه الله تعالى يقول: (التأليف في هذا الزمان ليس بمفخرة) . فالشيخ صاحب رأي قوي مع الأدب الجم الكبير للعلماء الأجلاء فهو لا يغلق الباب ولكنه ينزل أعمال المتأخرين منزلتها مقارنة بأعمال المتقدمين.
وللشيخ مصنفات كثيرة نافعة ومفيدة رغم رأيه المذكور في التصنيف حيث كتب غالبا من أجل تصحيح بعض الأخطاء والرد على المخالفين:
1 -إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن الكريم والسنة النبوية من فضائل الصحابة.
2 -تحذير العبقري من محاضرات الخضري.
3 -اعتقاد أهل الإيمان بنزول المسيح بن مريم عليه وعلى نبينا السلام آخر الزمان.
4 -خلاصة الكلام فيما هو المراد بالمسجد الحرام.
5 -إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها إلى الأموات.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)