ماذا عساني أن أكتب لكم عن رحلة استمرت قرابة الشهر في إفريقيا لتصوير البرنامج كان نصيب الأسد فيها للأسد السميط .. لقد تعلمنا منك أن الحياة شباب وإن كنت كبير السن .. وهذه الحياة واحة فريدة في صحراء العمر .. ولست أعني الشباب الغض الناعم، الذي ترق عنده الحياة، فتسحره بالنظرات المغرية. وتجمع له لذائذ الدنيا، في لحظة مسكرة، أو شبهة عارضة، الشباب الذي يعيش للهوى وأحلام اليقظة، فيبدأ تاريخ حياته بالحاء فلا يلبث أن ينتهي بالباء. ديدن حياته يقوم على هذين الحرفين في غير مكانها الصحيح، بالطبع لست أعني هذا الشباب، وإنما أعني شبابك يا دكتور مع بياض شعرك وصعوبة حركتك .. وتثاقل أقدامك إنه الشباب الحي العامل، الذي وضع له غاية في العيش أبعد من مجرد العيش. فهو في جهاد مع وقته ونفسه والهوى والشيطان.
وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام
تعلمت يا دكتور أن المال الصالح في يد العبد الصالح سلاح مضاء وعدة عتيدة وقوة مكينة لا يمكن معها التقاعس أو الكسل .. فهمت منك أن الأثرياء في الأمة كثيرون ولكن النافع منهم قليل .. أولئك الذين ضعف عندهم الخلق والدين، استخفوا بقواعد الإيمان ومبادئ الإسلام، يأكلون كما تأكل الأنعام دون أن يؤدوا واجبًا لدينهم أو مجتمعهم .. بل إنهم أصبحوا حربًا على أمتهم .. يسخرون أموالهم في العفن والفن والفجور ... يؤصلون للرذيلة .. ويقيمون لها المؤسسات والأندية .. لا يتوانى الواحد منهم أن يقدم المال لكسر فضيلة .. أو قتل خلق فاضل .. بينما يستثقل أحدهم أن يبذل لعمل الخير .. (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) لا يليق بالرجل القادر، أن يرضى لنفسه، أن يكون حملًا على كاهل المجتمع، ثقيلًا مرذولًا، وأن يقعد فارغًا من غير شغل، أو أن يشتغل بما لا يعنيه، إن هذا لمن سفه الرأي، وسذاجة العقل، والجهل بآداب الإسلام.
تعلمت يا دكتور:أن يكون هم الدعوة إلى الله شغلي الشاغل حتى في اللقمة التي آكلها .. أتذكر تلك الزيارات التي نقطع فيها الساعات بين طرق وعرة وغابات مظلمة مخيفة وأنهار موحشة في قوارب صغيرة ومستنقعات منتنة .. فإذا وصلنا إلى القرية واجتمع أهلها قال لهم الدكتور: ربي الله الواحد الأحد الذي خلقني ورزقني وهو الذي يميتني ويحييني .. كلمات يسيرة يدخل بها أعداد منهم إلى الإسلام .. ! أتذكر تلك الملابس التي تحملها معك. لماذا يا دكتور؟ إنها هدية لملوك القرى تأليفًا لقلوبهم إلى الإسلام! لماذا هذه الحلوى؟ لأطفال القرى من أجل إدخال السرور على نفوسهم.
ماذا عساي أن أقول؟ وبأي درس يمكن أن أتحدث؟ هل يمكن أن أسطر رحلة تعلمت فيها رغم قصر مدتها بقدر ما تعلمته من سني عمري الماضية؟ لقد نسيت معاناة السفر ومشقة الحياة وشظف العيش قهرًا لنفسي لأني أرى شيخًا كبيرًا مصابًا بالسكر وبه آلام في قدمه وظهره .. يكسر كل حدود الترف والتأفف أمام ميدان الدعوة إلى الله! ألا يستحي الشباب مثلي وهم هناك من أن يتذمروا لعدم وجود الماء الصالح للشرب والاستحمام؟ أو عدم الحصول على المناديل المعطرة؟ أو النوم أحيانًا دون عشاء؟ إيه أيتها النفس .. كم أنت مترفة .. ومنعمة .. وبعيدة عن ميدان العمل الحقيقي ..
لقد تعلمت من لسع البعوض في تلك القرى دروسًا في الصبر .. وتعلمت من شح الماء دروسًا في اليقين و تعلمت من انقطاع الكهرباء أيامًا دروسًا في الطمأنينة ..
يا دكتور لقد منحتني شهادة عليا في هذه الرحلة لم تستطع جامعات الدنيا أن تمنحني إياها .. لقد حصلت على الدكتوراه في احتقار النفس أمام العظماء .. وتجاوزت الماجستير في العمل الحقيقي الذي كنا نعتقد أنفسنا من رواده وبكالوريوس بامتياز في معرفة رجال الأمة الحقيقيين الذين يستحقون شهادات التقدير وجوائز الشكر .. لكنهم مع ذلك يقولون كما كنت تقول لي: يا أخي نحن لا ننتظر شهادات من أحد .. نحن عملنا في الميدان .. وننتظر من الله فقط أن يتقبل منا؟
لا زلت يا دكتور أتذكر تلك القرية التي أعلن أهلها إسلامهم وكيف كانت فرحتك العارمة .. كأننا خرجنا بأموال الدنيا. كنا نحن ننتظر مشاهد التصوير ونحسب إنجازنا بعدد ساعات التصوير كانت هذه ساحة سعينا .. وميدان بصرنا .. بينما كنت تسبح هناك .. وتنظر هناك ..
وتتأمل هناك .. الآخرة .. !
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)