وفي المدينة التقى بهما رحمه الله، وكان صريحًا معهما فيما يسمع عن البلاد وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيرًا قدّم للشيخ كتاب المغني كأصل للمذهب وبعض كتب شيخ الإسلام كمنهج للعقيدة فقرأها الشيخ وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات فوجد الشيخ مذهبًا معلومًا لإمام جليل من أئمة أهل السنة وسلف الأمة أحمد بن حنبل رحمه الله، كما وجد منهجًا سليمًا لعقيدة السلف تعتمد الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة فذهب زيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين، ورغب رحمه الله في هذا الجوار الكريم وكان يقول:"ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم ذلك بأمر من جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله وكان الشيخان أقرب الناس إليه ودرس الشيخ عبد العزيز بن صالح الصرف والبيان عليه. رحم الله الموتى وحفظ الله الأحياء."
وهنا كلمة يجب أن تقال للحقيقة ولطلبة العلم خاصة، نضعها في ميزان العدالة وقانون الإنصاف: لقد كان لجلوس الشيخ رحمه الله فائدة مزدوجة استفاد وأفاد.
أما استفادته فأمر حتمي ومنطقه علمي للآتي:
وهو أن منهج الدراسة في بلاده كان منصبًا أكثر ما يكون على الفقه وفي مذهب مالك فقط، وعلى العربية متنًا وأسلوبًا، والأصول والسيرة والتفسير وتقدم أنه رحمه الله درس المنطق بالمطالعة ولم تكن دراسة الحديث تحظى بما يحظى به غيرها للاقتصار على مذهب مالك. وكان الشيخ رحمه الله إمامًا في كل ما تقدم مما هو شائع في البلاد.
ولما عزم على البقاء وبدأ التدريس في المسجد النبوي وخالط العامة والخاصة وجد من يمثل المذاهب الأربعة ومن يناقش فيها ووجد في المسجد النبوي دراسة لا تقتصر على مذهب مالك، بل ولا على غيره فكان لا بد من دراسة بقية المذاهب بجانب مذهب مالك وبما أن الخلاف المذهبي لا ينهيه إلا الحديث أو القرآن فكان لزامًا من التوسع في دراسة الحديث وقد ساعد الشيخ على هذا التوسع والاستيعاب وقوة الاستدلال ودقة الترجيح ما هو متمكن فيه من فن الأصول والعربية مع توسعه في دراسة الحديث وبالأخص المجاميع كنيل الأوطار وفتح الباري وغيرها.
وقد ظهر ذلك في منهجه في أضواء البيان حينما يعرض لمبحث فقهي مختلف فيه فيستوفي أقوال العلماء ويرجح ما يظهر له بمقتضى الدليل عقلًا كان أو نقلًا.
وهذا المنهج هو سبيل أهل التحصيل الدأب على الدراسة ومواصلة المطالعة والتنقيح.
أما في العقيدة فقد بلورها منطقًا ودليلًا، ثم لخصها في محاضرة آيات الأسماء والصفات في أول محاضرات الجامعة ثم بسطها ووضحها إيضاحًا شافيًا في أخريات حياته في كتابي آداب البحث والمناظرة دليلًا واستدلالًا وعرضًا وإقناعًا. ومن آثار بيانه لها وأسلوبه فيها ما قاله فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله لما سمع بيان الشيخ لعقيدة السلف في مسجد الشيخ محمد رحمه الله قال:"جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خيرًا على بيانه هذا فالجاهل عرف العقيدة والعالم عرف الطريقة والأسلوب".
وهذه الحقيقة تضع بين يدي طالب العلم منهج الاستزادة في التحصيل وطموحه فيه كما قال صلى الله عليه وسلم:"منهومان لا يشبعان أبدًا طالب العلم وطالب المال". هذا جانب استفادته أما جانب إفادته فهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله.
أولًا في المسجد النبوي: يعتبر التدريس في المسجد النبوي من أهم التدريس في كبريات جامعات العالم في نشر العلم، وهو الجامعة الأولى للتشريع الإسلامي منذ عهد النبوة وحين كان جبريل عليه السلام يأتي لتعليم الإسلام في مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنذ كانت مجالس الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، إذ كانت المدينة العاصمة العلمية، وظلت محافظة على مركزها العلمي ولم تخل في زمن من الأزمان من عالم يقوم بحق الله فيها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)