فإذا كان ما يجهله أكثر فهنا يكون التصدر قبل التأهل، إلا أنه من الصعب التحكم في مثل هؤلاء، ولكن العلاج في تقديري هو أن يظهر مجموعة من النوع الأول تسد حاجة الناس إلى النوع الثاني، يعني هؤلاء الذين تصدروا طبعًا تصدُّرهم في حد ذاته له سبب وهو وجود الفراغ؛ فقبل أن أحاسبهم على هذا التصدر أريد أن أحث غيرهم على ملء هذا الفراغ بمن هو كفء.
هذه المسؤولية مشتركة: أولًا على علماء الحديث، ثانيًا على الجهات التي سبق أن ذكرنا أن يناط بها الحفاظ على هذا التخصص، سواء كانت مؤسسات علمية رسمية كالجامعات الإسلامية والأزهر مثلًا، أو كانت جهات ممولة خيرية؛ لأن العلم يزهو بالإنفاق، فبذلك إذا أردنا أن نقضي على هذا التصدر فنحن نحتاج إلى ملء الفراغ بالأكفاء.
(البيان) : الحركة العلمية الحديثة في مجال تنقيح علوم السنة وتحقيقها وتصحيحها كان لها ريادة بلا شك في هذا المجال، ما هي المصالح التي ترتبت على هذه الحركة، وهل هناك ملاحظات يمكن أن تذكر في هذا المجال؟
> لا شك أن الريادة العلمية التي أستطيع ذكرها قد تمثلت في ظهور الشيخ أحمد شاكر ـ عليه رحمة الله ـ ومن كان في وقته من علماء الأزهر في مصر، وظهور الشيخ عبد الرحمن المعلمي في الهند، ثم في السعودية ومن ظهور الشيخ الألباني أيضًا ـ عليه رحمة الله ـ في الشام، وظهور الغماريين في مصر والمغرب، فهؤلاء جميعًا كانوا رموزًا أعادت لمدرسة الحديث شيئًا كبيرًا جدًا من تقدمها وحيويتها أو صحوتها. ما زلت أذكر كلام الشيخ الألباني ـ عليه رحمة الله ـ في مقالاته المبكرة في مجلة الوعي الإسلامي، والتي كانت نواة لسلسلة الأحاديث الضعيفة، كنا نقرؤه ونحن طلاب في الثانوي أو في الجامعة ونعده في وقته فتحًا جديدًا، كيف نقرأ الحديث في سنن النسائي غير مبين الدرجة، ثم نجد الشيخ الألباني يقول: رواه النسائي بإسناد حسن، فمثل هذا العمل كان يمثل مرحلة جيدة بحمد الله، كذلك الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري والشيخ أحمد بن الصديق الغماري كان لهما جهد في هذا في بلاد المغرب، وتعاون مع أساتذة الأزهر مثل فضيلة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف رحمه الله، ووُجد من تعاونهم نشاط علمي في ذلك الوقت، هذه الصحوة أينعت ثمارها في إخراج تراث السنة المخطوط والعناية به.
واعتبرت أعمالهم في وقتهم أعمالًا ريادية، نتج عن هذه الصحوة المحظور الذي ذكرناه قبل قليل وهو أن هناك من الناس من ظن أن هؤلاء الناس يمكن مضاهاتهم بسهولة، فبدأ يقحم نفسه، ومن ثم ظهر ضعف النتاج الذي تحدثنا عنه، وظهرت مكانة هؤلاء الناس.
ويكفي أنهم فتحوا هذا الطريق أمامنا وحولوه إلى حركة دائبة إلى حد أنه الآن تكتب بحوث ورسائل في مستوى علل الحديث مثلًا بأقلام رصينة معقولة. هذا يعتبر شيئًا جيدًا جدًا.
(البيان) : هل يتوفر أحد بمثل هذا المستوى بعد موت هؤلاء الجهابذة؟
> في العادة عندما يختفي الرموز يصعب أن تنصب غيرهم دون أن يكون عندهم أرصدة؛ فالآن هناك أشخاص يعرفون في الحديث. يعني أنا خرَّجت ـ والحمد لله ـ في قسم السنَّة في جامعة الإمام أشخاصًا موجودين الآن في التخصص وهم على كفاءة يقلُّ أن تجد أمثالها، مثل الدكتور عبد الله بن وكيّل الشيخ، ومثل الدكتور محمد بن تركي التركي وهذا في جامعة الملك سعود، والدكتور عبد الله دمفو وهو الآن عميد كلية التربية في جامعة الملك عبد العزيز في المدينة، والدكتور سعد الحميِّد في جامعة الملك سعود. وهناك منهم أشخاص لم أدرِّسهم لكني أعرف قدرتهم وكفاءتهم، مثل الدكتور عبد الخضير، والدكتور خالد الدريس، والدكتور مساعد الراشد، وفي الأزهر عندنا الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف الأسبق والدكتور عزت عطية والدكتور عبد المهدي عبد القادر والدكتور إسماعيل الدفتار، وهو يعتبر من طبقة شيوخنا وعنده كفاءة معروفة، والدكتور مصطفى عمارة والدكتور مروان شاهين، والدكتور محمد بكار، والدكتور رفعت فوزي أيضًا، والدكتور أحمد محمد نور سيف رئيس دار البحوث في دبي، وفي الكويت الآن الدكتور السيد نوح، وهناك الشيخ أبو إسحاق الحويني وله جهود طيبة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)