وذيوع الرسالة وانتشارها بين الناس والإقبال الكبير عليها والشرهة الواسعة التي نالتها ونالت مؤلفها ابن أبي زيد القيرواني لا يعني أن جهود ابن أبي زيد في التأليف اقتصرت عليها بل إننا نجد لابن أبي زيد مؤلفات أخرى لا تقل قيمة عن الرسالة وان كانت لم ينلها ما نال الرسالة من شهرة وانتشار بين الناس فكتاب النوادر والزيادات الذي تكثر الإحالة عليه في مؤلفات العلماء القدامى والاقتباس منه يدل على رسوخ قدم ابن أبي زيد وعمقه العلمي وتبحره بالخصوص في الفقه والأصول وفي السنوات الأخيرة عكف العديد من الباحثين والدارسين على هذا الكتاب الجليل واعدت عن أقسام منه أطروحات جامعية في خطة لتحقيقه وإخراجه كاملا متكاملا للباحثين والمختصين حتى يعم به النفع وتتم الاستفادة الكاملة منه.
ولا غرابة أن يلقب ابن أبي زيد بمالك الصغير فهذه آثاره تدل عليه وها هي بادية للعيان انه احد مؤسسي المدرسة المالكية التي أصبحت على يديه وعلى يدي أمثاله من علماء الإسلام في هذه الربوع الإفريقية واضحة المعالم متميزة مجسمة لخصوصيات تتطابق تمام التطابق مع مقاصد ومرامي الرسالة المحمدية أن المدرسة المالكية بروادها الذين يأتي في طليعتهم ابن أبي زيد القيرواني هي مدرسة الواقعية والوسطية والاعتدال والتسامح والتيسير ونبذ التحجر والتعصب والتزمت وهي مدرسة تجمع ولا تفرق وتوحد ولا تشتت تمقت الفتنة والفساد في الأرض وتحارب المروق والزندقة والانحراف بالدين الحنيف ومثله السامية وقيمة النبيلة عما أرادها بها ومنها منزلها على نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قد تلقت الأمة كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني بالقبول الحسن أولا لإخلاص مؤلفه العمل لوجه الله (وما كان لله دام واتصل) ثم لمنزلته العلمية الرفيعة التي اعترف له بها القاصي والداني، من عاصروه ومن جاؤوا بعده وحتى من حاول أن يجاريه تظاهرا وحبا للدنيا فإن أعمالهم لم يكتب لها أن تنتشر بين الناس. وكتاب (الرسالة) لو يؤلف لغاية التأليف، وإنما الفت ابتغاء وجه الله ونفع الناس وسد الفراغ وقد جاءت رسالة ابن أبي زيد القيرواني استجابة لرغبة أبداها وطلبها رجل صالح اشتغل بتعليم الصبيان القرآن الكريم وأراد أن يجمع لهم إلى ذلك أن يتفقهوا في دينهم فنوجه بهذه الرغبة وهذا الطلب إلى فقيه زمانه الملقب بمالك الصغير عبد الله بن أبي زيد القيرواني.
يقول ابن أبي زيد القيرواني(أما بعد أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعلمه الجوارح وما يتصل بالواجب من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك ابن انس رحمه الله تعالى وطريقته مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته.
فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أودعا إليه ... )إلى آخر ما في هذه المقدمة من مظاهر ومعاني الإخلاص ومما يدل على تمكن علمي كبير من ابن أبي زيد القيرواني بالإضافة إلى خبرة بيداغوجية وتربوية هي سبق للمدرسة القيروانية التي تضم إلى جانب ابن أبي زيد محمد بن سحنون وأبي الحسن القاسمي وغيرهما من أعلام هذه المدرسة الأصيلة الرفيعة المستوى التي يحق لهذه الربوع أن تفاخر بها بين الأمم.
وطيلة عقود طويلة كانت القيروان عاصمة للغرب الإسلامي ومركزا ثقافيا كبيرا في خدمة ونشر الإسلام.
لقد كانت الرسالة في الأصل موجهة للأطفال ومؤلفة من اجلهم مما يعطي فكرة على المستوى المعرفي الذي كان في ذلك الزمن.
واشتهار هذا المختصر (الرسالة) إلى درجة إنها كتبت بماء الذهب يعود إلى بساطتها وتعبيرها بأمانة عن تعاليم الإمام مالك. لقد كان ابن أبي زيد القيرواني يلقب بمالك الصغير ولا توجد إلا ثلاثة أجيال من الإمامين مالك وابن القاسم المتوفي (191هـ/807) تلميذ الإمام وسحنون الذي توفي بالقيروان سنة 240هـ/855.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)