مِنْ أَنَّ صِفَاتِ اللهِ Uتَوْقِيفِيَّةٍ، فَلَا يُنْفَى عَنْهُ إِلَّا مَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ، مِثْلُ الْمَكَانِ فَإِنَّهُ إِنْ قُصِدَ بِهِ مَكَانًا مَخْلُوقًا فَاللهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَخْلُوقٍ، وَإِنْ قُصِدَ أَنَّهُ لَا مَكَانَ للهِ أَصْلًا، - بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ - فَهُوَ عَدَمٌ لَا وُجُودَ لَهُ، وَالْعَدَمُ هُوَ إِلَهُ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ فَذَاتُهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَدُنُوُّهُ مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَخْلُوَ ذَاتُهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، أَمَّا الْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِثْبَاتُهَا لِكَلَامِ اللهِ - تَعَالَى- فَلَا يُنْفَى عَنْهُ بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ بَلْ يُثْبَتُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهِ وَلَا تَكْيِيفِ ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ?.
وَكَقَوْلِهِمْ فِي آخِرِ سَنَدِ الْقُرْآنِ: « ... وَتَلَقَّى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْقُرْآنَ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ» ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقْتَضِي نَفْيَ صِفَةِ الْكَلَامِ عَنِ اللهِ أَوْ إِنَّ كَلَامَ اللهِ مَعْنًى نَفْسِيٌ قَدِيمٌ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ، وَأنَّ هَذَا الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَاَمُ اللهِ تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَلْقَاهُ إِلى جِبْرِيلَ، لِذا فَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ هَكَذَا: « ... وَتَلَقَّى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْقُرْآنَ، عَنْ جِبْرِيلَ، عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ.
* احْذَرْ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّمَ التَّجْوِيدَ أَوِ الْقِرَاءَاتِ دُونَ الِاهْتِمَامِ بِأَهَمِّ الْعُلُومِ وَأَشْرَفِهَا، وَهُوَ عِلْمُ الِاعْتِقَادِ، - اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعِةِ - حَيْثُ إِنَّ تَعَلُّمَ التَّجْوِيدِ الْعَلْمِيِّ أَوِ الْقِرَاءَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ فَهُوَ مِنْ أَفْرَضِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَأَشْرَفِ الْعُلُومِ، وَأَجَلِّهَا قَدْرًا، وَأَهَمِّهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَحَرِيٌّ بِكَ يَا طَالِبَ التَّجْويدِ قَبْلَ أَنَّ تَخُوضَ فِي التَّجْوِيدِ وَمُتُونِهِ أَنْ تَحْفْظَ بَعْضَ مُتُونِ الْعَقِيدَةِ، أَوْ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَى مُجْمَلِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَخُصُوصًا الْقَدِيمَةِ مِنْهَا لَأَنَّنَا أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ كَثُرَ فِيهِ تَيَّارُ التَّصَوْفِ وَالْقُبُورِيَّةِ الْوَثَنِيَّةِ.
وَكَذَا احْذَرْ مِنَ الْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيِ شَيْخٍ أُشْرِبَ بِالْمَنْهَجِ الصُّوفِيِّ، أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ فَالطَّالِبُ دَائِمًا شَاءَ أَمْ أَبَى يِتَأَثَّرُ بِشَيْخِهِ خُصُوصًا وَأَنَّ تَعْلُّمَ الْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَاتِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يَطُولُ فَيْهَا الْمُلَازَمَةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَشَيْخِهِ، فَإِنِ اضْطُرْرَتَ لِلْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَابُدَّ وَأَنْ يَتَوَفَّرَ شَرْطَانِ:
أَلَّا يَكُونَ دَاعِيًا لِبِدْعَتِهِ، وَأَنْ تَكُونَ أَنْتَ عَلَى دِرَايَةٍ كَافِيَةٍ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ،
وَللهِ الْحَمْدُ فَالآنَ أَصْبَحَ هَذَا الْعِلْمُ مُنْتَشِرًا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِذَا فَلَنْ تَعْجَزَ عَلَى أَنْ تُحَصِّلَ شَيْخًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَكَمَا أَنَّكَ تُجْهِدُ نَفْسَكَ، وَتُنْفِقَ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ مِنْ أَجْلِ الْحُصُولِ عَلَى مُجَرَّدِ السَّنَدِ فَكَانَ أَحْرَى بِكَ، وَأَشْرَفَ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِيمَنْ تَأْخُذَ عَنْهُ؛ لِيُبَارِكَ اللهُ لَكَ فِي عِلْمِكَ، وَكَمَا قِيلَ قَدِيمًا: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دَينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأَخُذُونَ دِينَاكُمْ» .