لو كان يدري الميت ماذا بعده بالحيّ منه بكى له في قبره
غُصصٌ تكاد تفيض منها نفسه ويكاد يخرج قلبهُ من صدرهِ
نعوذ بالله وإياه نحتسب. ومما حَسُن عندي موقعه قوله في هذا الردّ:
(( أما قوله إنه كان يلزمني إشعار أبيه باختلال لفظة (( الفحطل ) )على ما يقتضيه عهد المودّة فهو لا يلزمني، لأن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات فلو اختصصت منها بالذكر لفظة (( الفحطل ) )لما كنت مصيبًا ولأني كنت مترقبًا إصلاحها منه، فلما بقيت على الخطأ نبّهتُ عليها قيامًا بحق اللغة فإني لا أخشى في حبّها لومة لائم )) .اهـ.
قلت ُ: إن العبارة التي بنى عليها كلّ هذا لم تَرد في كلامي على هذا الوجه أصلًا، فما أدري مَن الذي وسوس إليه بها. وما أحسن ما اعتذر به من قوله: فلو اختصصت منها بالذكر لفظة (( الفحطل ) )لما كنت مصيبًا. ولا أدري ما كان يمنعه من أن يذكرها له جميعًا. وما الذي كان يُلزمه بأن يختصّ منها لفظة (( الفحطل ) )فقط حتى يكون غير مصيبٍ. وأحسن منه قوله:
(( إنه كان مترقبًا إصلاحها منه. فما أدري كيف كان يرغب أن يقف على إصلاحها لأن الكتاب لم يُطبع مرّة ثانية بعد. بل ربّما سوّلت له نفسه أنه كان من الواجب على أبي رحمه الله، أن يُشعِره باختلالها بناءً على أنه يعتدّ نفسه إمامًا للعربية وزعيمًا لأهلها، وصبرٌ جميل. وأبدع منه تعليله بأن الذي أوجب عليه أن ينبّه عليها قيامه بحق اللغة لأنه يخشى في حبّها لومة لائم ٍ. وهو يقول: إن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات، فكان يجب عليه أن ينبّه على جميعها قيامًا بما أخذه على نفسه من حق اللغة. وإلا فقد وقع تحت ملام اللائم، وما عُدّ إلا خائنًا في حق اللغة لأنه لم يَقُم به حق القيام فكان مسخوطًا من الجانبين. وإذا كان يحسب أن ذلك عليه حق واجب وأن كلَّ غلطةٍ في اللغة إنما يكون هو المُطالب بها فذلك هو عين الحمقى. ولعمري لم يَقُلها قبله قائل. وشهد الله لو ادّعى لنفسه هذه الدعوى جبريل عليه السلام لنازعه فيها الملئكة المقرّبون. وإذا كان الأمر كذلك فهو أوّل من يحاكم بهذه السُنّة التي وضعها. وقد بينت لك في هذا الردّ من أغلاطه ما لا يكاد يسقط به أغبى الجهلاء، وإن هو إلا شيءٌ أو بعض شيءٍ من أشياء. فمن تراه يطالب بأغلاطه الكثيرة الفاضحة وكيف توفى اللغة حقها منه؟
وأعظمُ شاهدٍ على ذلك أنه رحمه الله، كان قد استدرك فيها ما فاته في الطبعة الأولى من غلط الطبع وغيره كعسفان بالفتح والخَجُوجيّ كدَجُوجيّ والإناءة بالمدّ، وغير ذلك فنبّه عليه على هامش إحدى النُسخ لكي يُراعى في الطبعة الثانية. وكذلك فعل بسائر كتبه المطبوعة، وتبارك من اعتصم بالكمال. وقد أشار إلى ذلك رحمه الله، في الكتاب الذي بعث به إلى صاحبنا حينما بلغه أن بعض أهل الآستانة يريد طبع المقامات وهو الذي كان فاتحة هذه المناقشة. وليس ذلك من الأمور المستغربة بالنسبة إلى الإنسان ولا هو مما يُعاب به، وقد قيل: كفى المرء نُبلًا أن تعد معايبه.
وقد وضع بعضهم في تخطئة مقامات الحريري المشهورة كتابًا برأسه، وبعضهم في تخطئة ديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما في غيرهما من أكابر العلماء و المدّققين. وما برح ذلك دأب العلماء و المصنفين في كل فنّ وزمن، فمنهم من أخطأ ومنهم من خطّأ ومنهم من جمع الأمرين وهو أشأمهم. غير أن صاحبنا لما انتدب للتخطئة في مقام الرثاء، أطال الله بقاءه، وكان ما خطّأه به في غير موضعه لأن (( الفحطل ) )ليست إلا غلط طبع كما تقرّر، و (( المرابض ) )قد تقدّم من الكلام عليها ما يكفي لإقناع كل ممار عنيد، ولا سيما أنك قد عرفت منزلة هذا المعترض بين نَقَدة الكلام، رأيت أن أُجيب عن ذلك لقصد بيان ما ذكر لا لقصد الدعوى بالعصمة كما زعم، فإنني لا أدّعي بأن أبي، رحمه الله، كان منزهًا عن الغلط، كما لا أسلم بأن صاحبنا يخلو من الإصابة أحيانًا وإن قال به جماعةٌ من المتعنتين. فما لبث، حيَّاه الله، أن قابلني بالعنف ورماني بسوء المقال وذهب مذهبًا لا يليق بالعلماء و بالحري من قام زعيمًا بينهم وهو قد تعمم بالمشيب و التثم. فما الرأي أَأَستبيح حرمة من كان كذلك؟ أم أطرح بنفسي في هذا المجال وألتطخ بما أكره أن أرى غيري ملطوخًا به؟ بل أجلّ شأن أولي الفضل الذين سيُلقى كلامي هذا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)