وانت امرؤ ياذئب والغدر كنتما
أخوين كانا ارضعا بلبان
وتزعم الاعراب ان الذئب اكثر الحيوانات مكرًا وحذرًا، فاذا نام، بإحدى عينيه وترك الأخرى تحرسه فقال شاعرهم:
ينام باحدى مقلتيه ويتقي
المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع
ولم يتورع صانعو الاساطير عن أن يجعلوا الذئب يتكلم بلسان عربي فصيح. لعل أبرزهم يزيد بن القاسم بن الفضل، قال:" عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه. فأقعى الذئب على ذنبه فقال، ألا تتقي الله تترع مني رزقًا ساقه الله الي فقال ياعجبي ذئب يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك .. " الى آخر الحكاية الطريفة.
وجعلوه ايضًا يأنس للأنام ويتعايش مع الأنعام. فروى لنا جسر القصاب قال:" كنت أحلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبًا فحسبتها كلابًا ولم أكن رأيت الكلاب قبل ذلك. فقلت ياراع ما ترجو بهذه الكلاب كلها؟ فقال: يابني إنها ليست كلابًا انما هي ذئاب! فقلت سبحان الله ذئب في غنم لاتضرها. فقال: يابني اذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس. وكان ذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز".
نعم اذا صلح الرأس صلح الجسد والناس على دين ملوكها. وما دام عمر بن عبد العزيز (رض) على رأٍس الأمة يسوس أمرها ويدبر شأنها وهو على ما عرف عنه من ورع وتقوى وأمانة وعدل بين الناس. فلاسبيل لقوي على ضعيف ولا لغني على فقير. فجاءت هذه الحكاية المصنوعة لتجسد هذا المعنى.
وعلى العموم فان الأسطورة العربية كثيرًا ما تصنع لتجسد معنى من المعاني الشريفة. تحبب للناس الخلق الرفيع وتنفرهم من الخلق الوضيع. ترسم لهم صورًا مشرقة من جنان العدل وتعرض عليهم مشاهد مفزعة من جحيم الظلم، وليست الأسطورة الاغريقية كذلك.
الأسطورة الاغريقية غارقة في الخيال محلقة في أجواء ما وراء الطبيعة. الذئب فيها ليس الذئب الذي نعرفه، ذاك الذي يتربص بالماعز والأغنام فيفترس هذه او تلك في غفلة من الراعي. فاذا نبحته الكلاب فرّ خائفًا مذعورًا:
وخفت هجاءهم لما تواصوا
كخوف الذئب من سود الكلاب
فالأسطورة الإغريقية تتحدث عن الذئب العملاق (فنرير بن لوكي) ( Fenrir, Lokis sohn) الذي عمدالى تحطيم كل السلاسل والأغلال ومدّ ظله ليحجب قرص الشمس، فتسبح الأرض ومن عليها في ظلام دامس. ثم أن (فنرير) قتل (أودين) ( Odin) أبو الآلهة بصفعة عنيفة من كفه دمرت كل ما بين السماء والأرض.
وانتقام الذئب في نهاية العالم قد جعل أسطورة الجرمان القدماء اكثر تجهمًا. فلولا الذئب ما وجد الرومان القدماء، رومولوس ( Romulus) مؤسس المدينة الخالدة (روما) وشقيقه التوأم ريموس ( Remus) قد تربيا في حضن ذئبة وترعرعا في كنفها. وهذا هو النصف الحسن من صورة الذئب في اذهاننا. النصف الذي يرمز للأنوثة والأمومة. ولكن لايرمز للاختيار الحسن. الذئبة والمومس، يطلق على كليهما في اللاتينية اسم (لوبا) ( Lupa) الأم الربوب لحياة السكر والعربدة والشهوات.
كتب الباحث الالماني (ايمانويل ايكرت) دراسة نشرتها له مجلة (شتيرن) في عددا الثالث لسنة 1971 قال فيها:" عندما أصبحنا مسيحيين وبدأنا بترتيب جديد لكل القيم، وبسطنا الأشياء وقسمنا العالم الى (خير) و (شر) أرسلنا المومسات الى جهنم. وبطبيعة الحال كان هناك أيضًا ذئب ابليس، كلب الشيطان الجهنمي، رسول الظلام، المسخ الذي يأكل الوحل.وبذا اصبح على اي ثور أن يتحاشاه. وللذئب أنفاس ساخنة، حتى ان لحم فريسته ينضج بفعلها قبل أن يلتهمها. نحن ـ المسيحيين الأوروبيين ـ كان لنا دائمًا الأعداء الذين نوجه لهم سهام عقيدتنا، بعد الرومان كنا نحارب الوثنيين. ثم جهزنا الحملات الصليبية ضد المسلمين. المسيح كان (حملنا) والذئب يفترس الحملان اذن نحاربه بكل القوة التي تمتلكها عقيدتنا. فاذا حدث ان شذ شخص ما في قريتنا او في مدينتنا عن المألوف. ربما كان ذلك طفلًا مصروعًا أو رجلًا مصابًا بشلل تشنجي أو في أية صورة من الصور التي نراها غير مالوفة. علمنا ساعتها أن الذئب يتقمص فروة الحمل. وأشرعنا الى حل المشكلة باسم السيد المسيح. لقد عذبنا الأطفال حتى اعترفوا بأن الذئب يتقمصهم ثم أحرقناهم كونهم افراخ الشيطان. وساعدنا محاكم التفتيش على تقصي أثر الذئب في أوساطنا. وأرسلنا المجانين وغريبي الأطوار وذوي الشعور الطويلة والمصلحين الاجتماعيين الى المصير الذي يستحقونه: الى النار!!
لم يكن في العالم ذئاب بشر فقط. فاليوم نعلم ان هناك ثعالب بشرا في اليابان وضباعا بشرا في أفريقيا ودببة بشرا في النرويج ولكن الذئاب البشر ـ كما كنا نعتقد في ذلك الحين ـ هم الأخطر لأنهم غير معروفين تمامًا ولأنهم يعيشون بيننا بشكل اعتيادي. إن الذئب له ألف صورة وشكل. وعلى المرء أن يكون ثعلبًا ليتخلص منه. لقد تسلل الذئب عبر العصور الى مخادع العذارى الفرنسيات. فاذا مافقدت الفتاة عفافها قيل ساعتها: لقد رأت الذئب!!
ان الرؤى المفزعة عن الذئب مفترس البشر، تستقر بثبات في عقلنا الباطن. حتى أننا ننقل صورة هذا العدو الى الحقيقة الواقعة. ولكن كيف تبدو الحقيقة؟ اما أن الذئب سفاح مفترس فهذا ما لايشك فيه أحد. وقد ورد أن ذئبًا اقتحم حظيرة اغنام وأحدث فيها مجزرة دامية فقد بقي يقتل ويفترس حتى هدّه التعب ومن المؤكد أيضًا ان الذئاب تفترس الإنسان. فقد كانت تجتاح المدن والقرى بعد كل وباء كبير يجتاح أوربا في القرون الوسطى. فتأكل جثث الموتى التي لم تجد من يدفنها حينذاك وقد وجدت الذئاب طعامها السائغ من جثثنا بعد كل معركة دامية حدثت في تاريخنا، خصوصًا حرب الثلاثين سنة. أما عن القول بأن الذئاب الطليقة قد هاجمت خلال القرنين الماضيين انسانًا وافترسته، فهذا ما يجادل فيه الخبير بحياة الذئاب وسلوكها (ايريك زيمن) اذ يقول لقد حافظت الذئاب على بقائها منذ آلاف السنين بسبب تجنبها الانسان والابتعاد عنه كلما تلمست له أثرًا. هذا المقال منقول
والسلام
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)