إن تأثر الأصوات بعضها ببعض حين تتجاور في الكلام يهدف إلى تحقيق أمرين، الأول: السهولة في النطق عن طريق التقريب بين صفات الأصوات المتجاورة، والآخر: الاقتصاد في المجهود عن طريق اختصار حركات أعضاء النطق، وإذا حللنا ظاهرة التقاء الميم الساكنة بالباء في ضوء هذين الأمرين سنجد أن انفتاح الشفتين بالميم يؤدي إلى زيادة في عمل أعضاء النطق، ويأتي بعنصر صوتي جديد يتنافى مع مقصد التقريب بين الأصوات واختصار عملية النطق.
أما انطباق الشفتين في نطق الميم الساكنة والباء فإنه أقرب إلى تحقيق مقصد السهولة في النطق والاقتصاد في المجهود، فتندمج عملية انطباق الشفتين لنطق الميم بعملية انطباقهما لنطق الباء، سوى أن الناطق يرخي أقصى الحَنَكِ الليِّنِ عند نطق الميم ليجري الصوت في الخياشيم، ثم يطبقه عند نطق الباء ليتحقق النطق بالباء شديدة، ويخرج الصوت من بين الشفتين بعد انفتاحهما.
وما ذكرته من الدليل النقلي مع الدليل العقلي يرجح رواية من يطبق شفتيه عند نطق الميم المخفاة قبل الباء، لكن ذلك الانطباق أخف من انطباقهما في الباء، لأن انطباقهما في الميم القصد منه وضع عائق في طريق النَّفَس لمنع خروجه من الفم، وتحويله إلى الخياشيم، وذلك يتحقق بأدنى انطباق، أما انطباقهما في نطق الباء فإن القصد منه تحقيق صفة الشدة، وهي لا تتحقق إلا بتقوية الانطباق، وصرَّح المرعشيُّ (ت 1150 هـ) بذلك في قوله:"وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين، والباء أدخل وأقوى انطباقًا، كما سبق في بيان المخارج، فتلفظ بالميم في: {أنْ بُورِكَ} بغنة ظاهرة وبتقليل انطباق الشفتين جدًّا، ثم تلفظ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما، وتجعل المنطبق من الشفتين أدخل من المنطبق في الميم" (6) .
وختامًا، إن ما أوردته في هذه العجالة، وما نقلته في بحثي السابق عن الموضوع، القصد منه تنبيه القراء وأهل الأداء في زماننا، ولفت نظرهم إلى هذه القضية، لمراجعتها وإعادة النظر فيها، حتى تجتمع كلمتهم، ويتوحد أداؤهم على أصح نطق وأثبت رواية. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اهـ
قلت أما من يقعدون لتلاوتهم ' ويرفعونها للنبي فسوف تكتب شهادتهم ويسألون
قال أبو الداني في كتابه المنبهة (وهل يرد الحق إلا مبتدع )
الهوامش:
1 -وذلك في بحث (إخفاء الميم في النطق العربي) المنشور في كتاب: أبحاث في علم التجويد (ص 134 - 145) طبعة دار عمار، عمان 1422هـ - 2002م.
2 -شرح التيسير (ص 448) تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود وصاحبيه، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1424هـ - 2003م.
3 -الموضح في التجويد (ص175) ، تحقيق غانم قدوري الحمد، دار عمار، عمان 1421هـ - 2000م.
4 -غاية النهاية في طبقات القراء 1/ 477، تحقيق ج. برجستراسر، مكتبة الخانجي بمصر 1352هـ - 1933م.
5 -المصدر نفسه 1/ 242.
6 -جهد المقل ص 202، تحقيق د. غالم قدوري الحمد، دار عمار، عمان 1422هـ - 2001م.
* رئيس جامعة تكريت سابقًا، له العديد من المؤلفات والتحقيقات في التجويد ورسم المصحف، منها:
-الدراسات الصوتية عن علماء التجويد
-رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية
وهذا الرابط أيضا
وهنا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
قال القرطبي (ت461) في كتابه الموضح:"وأمّا حروف الغنّة فالنون ساكنةً ومتحرّكة والميمُ إلاّ أنّ الميم أقوى من النون لأنّ لفظها لا يزول ولفظ النون قد يزول فلا يبقى منها إلاّ الغنّة ..."الموضح ص97.
فقوله رحمه الله أنّ الميم لا تزول يعني أنّ الشفتين تنطبقان في الميم في جميع الأحوال حتّى في الإخفاء لذلك لم تزُلْ بخلاف النون المخفاة فإنّها تزول عند الإخفاء لانفصال طرف اللسان عن الحنك فلا بيقى من صوتها إلاّ الغنّة.
ولو تركنا الفرجة في إخفاء الميم لزالت كما في النون، فإخبار صاحب الموضح أنّ الميم لا تزول دلّ على أنّ الشفتين تنطبقان في الميم في جميع الحالات. والله أعلم
محمد يحي شريف الجزائري
ـ [عمر فولي] ــــــــ [24 - 05 - 08, 02:53 ص] ـ
السلام عليكم
أخي الكريم حمدي الغامدي أشكرك علي هذه النقولات، وإن كان لي عتب عليك. كان من المفترض أن تنقل ردودي علي هذه الأبحاث.
فالبحث الأول للشيخ فرغلي العرباوي وقد قمت بالرد عليه وابحث في المنتديات سوف تجد هذه الردود.
والبحث الثاني: للدكتور غانم قدوري، وقد قمت بالرد عليه عند إنزاله في منتدي أهل القرآن بواسطة الشيخ الجوريشي.
والبحث الثالث للشيخ محمد يحيي شريف وقد قمت أيضا بالرد عليه.
وكل هذا قبل ظهور الدليل الجديد وهو قول الجعبري مع قول الإمام الأزهري. والكلام يا سيدي أوضح من أن يشرح. ولا أظن ولا أعتقد أن يأتي من يستطيع تأويل النص
أنصف أخي الكريم ولا تنقل من جانب واحد
والسلام عليكم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)