• ولأن هذه الصيغ إما تعلم بعقل وإما تعلم بنقل. أما العقل فلا مدخل له في اللغات , وأما النقل: فإما أن يكون آحادا: فلا حجة فيه , وأما أن يكون متواترا: وهذا لا يمكن دعواه.
• ثم لو كان متواترا لكان علما ضروريا , والعلم الضروري لا يمكن الاختلاف عليه , وهذا اختلفنا عليه فمعناه أنه ليس ضروريا وبالتالي ليس متواترا.
• واستعملوا القياس: فقاسوا العموم والخصوص على الألفاظ المشتركة: ووجهه: أن الألفاظ المشتركة تستعمل على عدة أوجه فمن ادعى أنها حقيقة في وجه دون آخر بلا دليل كان متحكما.
وكذلك ألفاظ العموم فإنها كثيرا ما تستخدم في الخصوص فمن قصرها على العموم وجعله أصلا لها كان متحكما.
• واستدلوا بالعرف: فإن الرجل لو قال لغلامه: من دخل داري فأكرمه. ويحسن والحالة هذه أن بستفهم الغلام: وإن كان فاسقا؟ ولو كان اللفظ عاما لما حسن الاستفهام.
أدلة أصحاب القول الثاني وهم الجمهور:
• قالوا: إجماع الصحابة وأهل اللغة على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على عمومها إلا ما دل الدليل على تخصيصه. نحو:
1.قوله تعالى:"يوصيكم الله في أولادكم .."ولم يقل أحد أنه لا يدخل في الخطاب.
2.وقوله تعالى:"والسارق والسارقة".
3.وقوله تعالى:"الزاني والزانية ..".
4.وقوله عز وجل:"وذروا ما بقي من الربا .."
5.قوله عليه السلام: (نحن معاشر الأنبياء ... )
6.وقوله: (لا تنكح المرأة على عمتها)
7.سؤال ابن أم مكتوم عن قوله عز وجل:"لا يستوي القاعدون من المؤمنين .."ووجهه: فهم الصحابي أن الآية عامة فيه وفي غيره فأنزل الله تعالى:"غير أولي الضرر ...".
8.وفهم الأعرابي المشرك لقوله تعالى:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون"فقال لأخصمن محمدا .. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد عبدت الملائكة وعيسى أفيدخلون النار؟ فنزل قوله تعالى:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ..". أنهم كانوا يطلبون دليل التخصيص لا دليل التعميم في النصوص. ومثاله: اختلاف عثمان وعلي رضي الله عنهما في وطء الأختين بملك اليمين: فاستدل عثمان بقوله:"إلا على أزواجهم ..."واستدل علي بقوله:"وأن تجمعوا بين الأختين"وكلا الآيتين عام , فطلب العلماء التخصيص فخصصوا بالعلة.
• كذلك استدلوا بحال الناس: فإن الناس يحتاجون للعموم في كل لغة فيبعد جدا أن يغفل عنها الخلق مع الحاجة الماسة لذلك. فإن سأل سائل ما الدليل على هذه الحاجة التي زعمتم؟؟ قلنا له:
1.الاعتراض على من عصى الأمر العام.
2.وسقوطه عمن أطاع.
3.إثبات الأحكام على الألفاظ العامة.
4.تكذيب من نفى رؤية أحد وكان قد رأى جماعة.
اعتراض من المخالف:
بأن قال: ما ثبت مما ذكرتموه إنما كان بالقرائن ,لا بمجرد اللفظ!
قلنا هذا باطل من وجوه:
أولها: لنفرض انتفاء القرائن , وأن رجلا لا تعرف له عادة وأمر عبده الذي لم يخالطه زمنا يعرف به سياسة سيده, ثم أمره سيده بأمر عام , فإنه يعذر بالعمل بالعموم ويتوجه إليه اللوم بترك الامتثال.
ثانيها: أنه لو قدرنا وجوب القرينة في كل خطاب عام , لبطلت أدلة الكتاب والسنة وهذا ساقط طبعا.
ثالثها: أن مثل هذا التقييد - أعني بالقرائن - يفتح باب التحايل على الشرع , فكل من أراد التهرب من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وسيقول: لم أعلم أنني مراد بهذا الأمر ولا في اللفظ دلالة على أنني مخاطب ولا يلزمني الامتثال! وفي باب النواهي سيقول: لست مخاطبا بالنهي لعدم دلالته على العموم , وستخلو خطابات الشارع عن الفائدة.
رابعها: لن يقدر أحد على أن يحتج بالأدلة العامة اللفظ والتي نزلت في حادثة عين خاصة لمثل هذا الكلام , ولن يأمر عالم ولن ينهى جماعة ولن يذكر لهم شيئا بعمهم بلفظ ينفعهم.
وهذا باطل قطعا وفاسد يقينا فوجب طرحه وعدم الالتفات إليه.
س/ فإن قيل فكيف نرد على الواقفية؟
نقول الرد عليهم من أوجه أيضا:
أولا: أن شبهاتهم ليست حججا وغايتها المطالبة بالدليل وليس بدليل.
ثانيا: ما ذكرناه من أن الألفاظ العامة إنما تستعمل على الخصوص مع القرينة.
ثالثا: وإنما حسن الاستفسار عن الفاسق لأنه يفهم من الإعطاء الإكرام ويفهم من عادة الناس أنهم لا يكرمونه.
رابعا: سؤالكم عن التخصيص دليل على أنكم فهمتم العموم ,
إنما كان السؤال للتأكد من التخصيص.
(فلتوهم القرينة المخصصة: حسن السؤال)
فلو أعطى الفاسق وعاتبه سيده لكان عذره متمهدا مقبولا.
(لا أعرف كيف أنسخ الحواشي المهمة من الحاسب إلى الموضوع ولكنني سأجتهد رأيي فاعذروني على التقصير)
الحواشي:
فلو قال الرجل لغلمانه من دخل داري فأعطه رغيفا , فإن امتثلوا سقط اللوم عنهم , وإن خالف أحدهم فلم يعط داخلا من الزوار حسن لومه.
مثاله: إن قال أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقب ذلك , جاز لمن سمعه أن يتزوج من إماء ذلك المعتق دون الرجوع لإذن الورثة لأنهن عتقن بلفظ العموم.
ولذلك قال الله تعالى: (قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) فهم - أي المشركين - أنكروا نزول أي شيء على البشر فنقض الله عليهم ما عمموا به من عدم نزول شيء بإثبات الجزئي بمعنى: أن إثبات الجزئي كان نقضا للعموم الكلي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)