وأشكر الشيخ على تقبله هذا الحوار المفتوح ..
شيخنا الفاضل أحسن الله إليكم
لدي بعضُ أسئلة
1 -علم المقاصد، هل هناك تعريفٌ دقيقٌ يجمعه؟
2 -عن الحد المجزئ للمتفقه خصوصًا (في كتب أهل الأصول) من علم المنطق؟
الجواب: يمكن أن يكتفى من ذلك برؤوس المسائل، ومن ذلك: مدارك اليقين، الحدود والتصورات، تركيب الأقيسة، النسب الأربع.
ومن الكتب المهمة في ذلك: شرح السلم، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي، وتسهيل المنطق للشيخ عبد الكريم مراد، وضوابط المعرفة للميداني.
3 -أهمية علم المقاصد لدى طالب العلم المتفقه، وهل من منهجية معينة يسير عليها في ضبطه لعلم المقاصد؟
الجواب: لقد أحسنت في طرحك لهذا السؤال والسؤال الأول فإن الحديث ـ يا أخي الكريم ـ عن مقاصد الشريعة حديث ذو شجون فأقول والله وحده المعين:
يرد على علم مقاصد الشريعة إشكال علمي عريض، وهو أن جميع من كتب فيه من المعاصرين، ابتداء من الطاهر ابن عاشور فمن بعده إنما قصروا تصور هذا العلم على ما كتبه الشاطبي في القسم الخاص بالمقاصد من كتابه الموافقات، وأحسنهم حالا من رجع إلى سائر كتاب الموافقات فاقتبس منه واستوعب ما فيه، وربما زاد بعضهم على ذلك كتاب الاعتصام للشاطبي.
لكن الجميع إنما أخذ تصوره عن هذا العلم من خلال شخصية واحدة، ولذلك تجدهم يتفقون على ذكر التقسيمات التي تعرض الشاطبي لبيانها، ويرددون المسائل والقضايا ذاتها، بل تتكرر لديهم الأمثلة والأدلة والشواهد، اللهم إلا أن البعض ربما يتوسع في الإتيان بأمثلة جديدة لا توجد عند الشاطبي، والبعض الآخر ربما يعيد شيئا من أفكار الشاطبي وفوائده إلا أنه يضعها في قالب جديد ويعرضها بصيغة مختلفة، ويسهب في بعض الجوانب ويفصل فيها.
هذا هو حال من كتب في مقاصد الشريعة من المعاصرين، لا يستثنى منهم في الغالب أحد.
فالشاطبي هو غايتهم وإليه مآلهم، ومنه ابتداء الفكرة وانتهاؤها، وهو عمدتهم في التأصيل والتدليل والتعليل والتمثيل.
وقد استبشرت ببعض الأبحاث التي درست مقاصد الشريعة عند العز أو عند ابن تيمية ونحوها، وانتظرت منها الإتيان بما هو جديد ومفيد، إلا أن المشكلة هي هي؛ حيث كانت هذه الأبحاث إنما تنطلق من الشاطبي وإليه تعود؛ إذ جعلت من كلام الشاطبي متنا محكما، وكانت مهمة الباحث وغايته إنما هي استجلاب الأمثلة والشواهد من كلام أولئك الأئمة لما قرره الشاطبي والمحاكمة إليه، فكان الشاطبي عندهم هو المعيار.
أليس هذا الصنيع وهو تصور علم المقاصد بإجماله وتفصيله من خلال كلام إمام واحد من علماء الشريعة وقصر تصور هذا العلم عليه يعتبر قصورا وتقصيرا، وفيه هضم كبير لأئمة الدين وعلماء الشرع!
وليس المشكل في الأمر الرجوع إلى الشاطبي والإفادة منه والأخذ عنه، فهذا أمر حسن بل مطلوب، ولا إشكال فيه، ولكن الأمر المشكل أن يبقى الباحث أسيرا لفكر الشاطبي ونظره، يدور في فلكه، ولا ينهل إلا من معينه.
هل عزب عن علماء الشريعة ـ غير الشاطبي ـ بيان مقاصد الشريعة وضبطها وتقرير الكلام فيها؟
ألا توجد جهود لأئمة الإسلام ومؤلفات ـ قبل الشاطبي وبعده ـ في تأصيل المقاصد وبثها في العالمين!
وبعبارة أخرى: لو افترضنا أن الشاطبي لم يخلق ولم يوجد، ولا يعرف كتاب اسمه الموافقات ألا يمكننا تصور علم مقاصد الشريعة؟
أقول: لاشك أن للشاطبي في مقاصد الشريعة سبقا وفضلا، لا ينكر هذا إلا مكابر أو معاند، ولكن المنهج العلمي والأمانة التاريخية تقتضي أن يجعل الشاطبي حلقة ذهبية في سلسلة مقاصد الشريعة، وأن ينظر إلى علم المقاصد نظرة متكاملة شاملة؛ بحيث تنتظم فيها جهود السابقين واللاحقين.
ومن هذا المنبر فإني أدعو إلى دراسة جادة في تأصيل علم المقاصد، والانطلاق بهذا العلم نحو أفق أرحب، وبنظرة أوسع، بطريقة موضوعية أصيلة، وبمنهج بحثي متين.
4 -من له الأحقية أن يحكم على مسألة أصولية بأنه لا ثمرة من الخلاف المترتب حولها، وهل هناك ضوابط علمية دقيقة لتجريد علم أصول الفقه من المسائل العارية وتقعيد المسائل المتأصلة؟
الجواب: كون المسألة الأصولية لا ثمرة لها أو أن لها ثمرة قد يكون أمرا واضحا، وقد يكون محل خلاف، ولابد عند التنازع من التبين والتثبت من صورة المسألة وصيغتها، وهو ما يعرف بتحرير محل النزاع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)