فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51440 من 82138

أن المشتري في بيع العربون قد تنازل عن حقه وماله برضائه التام، وهو يملك هذا الحق بدءًا ونهاية، أما العوض الذي يفرض عند تأخير الدين فليس من باب التنازل عن حق ثابت، وإنما هو فرض لتعويض مستقبلي عن منفعة موهومة أو غير متحققة يقبله المدين دون رضاه التام، لأنه لو وجد بدون هذا الشرط لما أقدم عليه.

إن أحكام الدين تختلف عن أحكام البيع، فما جاز في البيع قد لا يجوز في الدين، حيث احتاط الإسلام احتياطًا شديدًا في الدين حتى لا يترتب عليه الربا المحرم، وقد ذكرنا في المبحث السابق أقوال السلف في أن أية زيادة على أصل الدين ناتجة عن الشرط حرام لا يجوز الإقدام عليها.

أن مبلغ العربون محدد واضح معلوم في حين أن التعويض عن الضرر الناتج عن التأخير في السداد مجهول غرر وجهالة من حيث الوجود، والتحصيل والمقدار والزمن، فجميع أنواع الغرر الفاحش متحقق فيه فكيف يجوز أن يكون مضمنًا في العقد؟!

خامسًا: القياس على فوات منافع الأعيان في الغصب من حيث أن المدين المماطل قد اصبح غاصبًا بمماطلته فيجوز له التعويض عن المنافع التي فاتته بسبب التأخير عن السداد.

ويلاحظ على هذا بما يأتي:

إن مسألة تعويض منافع الأعيان المغصوبة مسألة خلافية وليست مجمعًا عليها، حيث ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الغاصب يضمن منفعة العين المغصوبة بأجر المثل سواء استوفى المنافع أم تركها [74] ، وذهب متقدموا الحنفية إلى أن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب مطلقًا [75] ، وذهب المالكية إلى أنه يضمن إذا كان الغاصب قد استعمله أو أجّره [76] .

إن القياس هنا مع الفارق، فالأعيان (كالعقار والسيارات ونحوهما) لها منافع متقومة محققة ولذلك يجوز تأجيرها، أما الديون فليست كذلك، بل النقود كلها كذلك، ولذلك لا يجوز تأجيرها، فالفرق واضح بين الدين الموجود في الذمة، والعين الموجودة التي لها منفعة معلومة وذلك لأن الدين ليس له منفعة متقومة شرعًا فلا يمكن قياسه عليها إضافة إلى خصوصية الدين بشأن الربا ـ كما سبق ـ

سادسًا: القياس على ذهاب منفعة أعضاء الإنسان حيث يجب فيها الدية، أو التعويض المقدر بحكم القضاء.

فهذا القياس أيضًا مع الفارق، لأن منفعة العضو متحققة وقد قام المعتدي بإزالتها، فيجب أن يعوض عنها المجنى عليه، أما منفعة الدين للدائن فليست متحققة ـ كما سبق ـ فلا يجوز تعويضها، إضافة إلى حساسية الدين بخصوص الخوف من الوقوع في الربا ـ كما سبق ـ

ومن جانب آخر فإن تعويض منافع عضو الإنسان جاء بتحديد من الشرع في الدية، وبنصوص دالة عليه في غيرها، أما تعويض الدائن بسبب تأخر دينه فجاء بسبب شرط في العقد.

وبهذا الغرض تبين لنا أن أدلة الشيخ لم تسلم من نقد، ولم تصمد أمام المناقشة.

طريقة الاحتساب للتعويض:

اختلف القائلون باشتراط التعويض عن الضرر بسبب التأخر في السداد في طريقة احتسابه، فذهب بعضهم إلى أن ذلك يتم عن طريق القضاء، أو التحكيم، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى أن (خير وسيلة لتقدير التعويض هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء، فإذا أخر المدين ثلاثة أشهر مثلًا ينظر البنك ما حققه من ربح خلال الأشهر الثلاثة، ويطالب المدين بتعويض يعادل نسبة الربح الذي حققه، وإن لم يحقق البنك ربحًا خلال تلك المدة فلا يطالب بشيء) [77] .

عدم جدوى شرط التعويض على الأساس السابق:

بناء على المرجعية للتعويض التي ذكرها الفريقان فلا يمكن أن يحقق اشتراط التعويض شيئًا فعالًا لمنع التأخير أو المماطلة، وذلك لأنه إذا كان المرجع القضاء فإن القضاء في بعض الدول الإسلامية لا يحكم بالتعويض عن التأخير، وبعضها لا يحكم إلاّ في حالات معينة، وعلى فرض حكمه بالتعويض يكون التقدير بنسبة الفوائد الربوية الرسمية وهي 1,75% وقتنا الحاضر، فهل يدفع قرض هذه النسبة المدين المماطل إلى الإسراع برد دينه، بل يرتاح من هذا الحكم (إلاّ إذا كان ملتزمًا) حيث يدفع فوائد مخفضة جدًا أما فوائد البنوك الأخرى.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت