فأحكامها الاصل فيها البقاء وهذا لا يتعارض مع كون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان بل هذا مطابق لذالك كما سياتي من جهة أن أحكام الشريعة ليست على وجه واحد بل هي على أوجه متعددة ولكن كقاعدة كلية في فقه هذه المسالة - تغير الفتوى بتغير الحال- هذا يجب أن يكون فرعا عن تحقيق هذا الاصل اعني القول بتغير الفتوى بتغير الحال يجب أن يكون فرعا عن القول بان الاصل في الشريعة العموم وفي أدلتها الوقوع وفي أحكامها البقاء وليس مضاد له او مخالف له لا يكون من هذا الباب وإنما هو فرع عن هذا التقرير فان قيل كيف يكون فرعا؟ قيل هذا لا تنافي فيه وسيأتي التنبيه على التنوع في الاحكام في الشريعة وحتى تنوع الادلة المسماة عند أهل النظر والأصول , هذه المقدمة الرابعة.
المقدمة الخامسة:
أن الأدلة المستعملة في تحصيل الأحكام التي تسمى آحاد الاحكام تسمى فتوى من المتكلم بها أما الادلة المستعملة في تحصيل الاحكام على قسمين هذا وجه من الاضافة منها ما هو نص في إنشاء الحكم ومنها ماهو كاشف عن حكم الشارع لانك اذا نظرت الادلة عند الاصوليين فإنهم يذكرون الادلة المتفق عليها ويذكرون الادلة المختلف فيها , والمتفق عليه , اعني دليل الكتاب والسنة والاجماع هذا حكمه يكون ثابتا , فإن قال قائل: أن الفقهاء وان أهل الاجتهاد اختلفوا في الاحكام التي استدلوا عليها بدليل الكتاب او دليل السنة. قيل: هذا ليس من باب تغير الفتوى بتغير الحال, وإنما تغيرت الفتوى بين المجتهدين كالصحابة او الائمة الأربعة او غيرهم من أهل الاجتهاد اختلفت الفتوى بينهم لاختلاف فهمهم للادلة فهذا ليس من باب تغير الفتوى بتغير الحال وإلا هذا شان كثير عند العلماء أن المسالة وان كان يستدل عليها الفقيه بدليل من الكتاب والثاني يستدل كذالك بشي من السنة فتجد أن الحكم قد يكون متفقا وقد يكون مختلفا لكن هذا تنوع واختلاف في الاجتهاد ليس هو من باب تغير الفتوى بتغير الحال , لان الناظر هنا متعدد يعني عدد من المجتهدين.
بل حتى لو كان الناظر واحدا فاجتهد في مسالة ثم رجع عن اجتهاده لان فهمه للدليل اختلف فانه ربما أفتى بهذه المسالة لكونه يرى أن الحديث المروي فيها حديث صحيح ثم تبين له في اجتهاده أن الحديث المروي لا يكون كذالك وليس صالحا للاستدلال او الاحتجاج فترك القول به فهذا ليس من باب تغير الفتوى بتغير الحال وإنما اختلف النظر في الادلة فإذن ما يتعلق بالادلة المتفق عليها ما يرد عليها القول بتغير الفتوى بتغير الحال يعني لا يكون السبب يعود الى الدليل لماذا؟ لان حكم الدليل الذي هو نص في تحصيل الحكم يجب أن يكون صادقا في اجتهاد المجتهد اما قطعا اذا اجمعوا على الحكم وأما ظنا عند المجتهد لان المجتهد اذا اجتهد في تحصيل حكم من قول الله او قول نبيه صلى الله عليه وسلم فيجب أن يكون هذا التحصيل اما حقا بالقطع أي اجمع على الحكم وكان النص صريحا فيه , او ظنا عند المجتهد فلا ينقلب عن هذا الحكم الظني في اجتهاده إلا اذا تبين له بالدليل نفسه أي بدليل الكتاب والسنة ما يقتضي مخالفة ذالك فهذا التغير في الاجتهاد ليس هو تغير الفتوى في تغير الحال.
لان البعض اذا أراد أن يمثل او يستدل قال إن من الصحابة من اختلفت فتواه وما الى ذالك قد يكون اختلاف الفتوى يعود الى اختلاف الحال وقد يكون يعود الى اختلاف الاجتهاد ولهذا مثلا الامام الشافعي رحمه الله لما كان بالعراق ثم جاء الى مصر وتغير كثير من رأيه ليس بالضرورة أن هذا التغير فرع عن اختلاف الحال قد يكون منه ما هو كذالك لكن الاصل هو اختلاف الاجتهاد لفهم الادلة واخذ الادلة واستقرائها ومن الادلة ماهو كاشف عن حكم الشارع العلماء رحمهم الله لما سموا الادلة وقالوا الادلة المتفق عليها والمختلف فيها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)