فالمسالة ليس محلها الكلام من جهة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم بحيث يضاف التغيير بالتقدير اليه إنما هي من مسائل الاجتهاد اما النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم مقامه على العصمة وعلى أصل التشريع فهو صاحب الشريعة وهو الذي ينطق بأحكام الشريعة التي توحى اليه او تنزل له في كتاب الله سبحانه وتعالى وليس هو صاحب التقلب في النظر والاحتمال وما الى ذالك كما هو العارض لأهل الاجتهاد لأهل العلم فلهذا سائر العلماء كما هو معروف قد يكون منه الصواب ومنه الخطا كما قال صلى الله عليه وعلى اله وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث عمرو ابن العاص {اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب واذا حكم فاجتهد فاخطأ فله اجر} .
ومن ثمرة هذه المقدمة أيضا الى التنبيه على أن هذه المسالة مقدرة بمعيار مختصر عند العلماء ومن أراد أن يستفصل في هذه المسالة - تغير الفتوى بتغير الحال - قصد الى تكثير المثالات عليها والى تاكيد أن الشريعة صالحة في كل زمان ومكان وما الى ذالك ولكن هذا التأكيد وان كان صحيحا ومعروفا وبدهيا إلا انه لا يصار اليه بشيء من مثل هذا الاستدعاء لامثلة ليست صادقة على محل النظر بل هي مباينة له وفيما يظهر أن بعض التقارير التي كتبها بعض النظار في هذه المسالة لو صحت طردها لقيل كل تقييد فانه كذالك وكل تخصيص فانه كذالك وهلم جرا من الاستطراد في هذا المعنى وليس هذا هو المقصود أصلا عند العلماء رحمهم الله ابتداء لما ذكروا هذه المسالة فكلام النظار وأهل الاصول ومن تكلم في المسالة من الفقهاء فيه قدر من الاجمال والاشتراك ينبغي للباحث ولطالب العلم أن يقتصد في قراءته فان بعضهم وكثيرا منهم توسع في الامثلة فيما ليس مطابقا للمعنى وان كان المثال في نفسه صحيحا لكنه ليس من باب تغير الفتوى بتغير الحال او بتغير الزمان او ما الى ذالك.
وهذه المسالة أيضا هي من المسائل التي تكلم فيها الكثير وربما أن المعاني الصحيحة في أنفسهم مشتركة ولكن التعابير والمعاني المفصلة جاءت مختلفة وهذا له نظائر لهذا لما ذكر الامام ابن تيمية رحمه الله مسالة هي في باب النظر ومسائل الاصول وليست في هذا المحل لكنها شبيهة بها من جهة الاشتراك في كلام أصحابها قال هذه مسالة وقف فيها خلق من الباحثين والبصراء المكاشفين وعامتهم فهموا صحيحا لكن قل منهم من عبر فصيحا. فهذا السياق الذي ذكره في تلك المسالة فيما يظهر انه مقارب من جهة الوقوع لهذه المسالة فهي تكلم فيها خلق من الباحثين والنظار وعامتهم فهموا صحيحا من جهة أصل المقدمات التي يذكرونها لكن جاء التعبير في كثير من الموارد ليس فصيحا وجاء متوسعا في ذالك.
المقدمة الثالثة:
بعد تبين أن هذه المسالة بالغة القدر وهي من اختصاص أهل العلم العارفين وبعد أن تبين أن كلام السابقين والمعاصرين فيه شيء من الاجمال والاشتراك , المقدمة الثالثة لضبط نظرية او ما يقاربها في هذه المسالة البالغة القدر هي أن الاصل في الشريعة العموم وفي أدلتها الوقوع وفي أحكامها الثبوت وهذه المقدمة ينبغي أن تكون بينة عند المسلمين بوجه عام وعند أهل العلم والناظرين فيه بوجه خاص , وهذا من جهة انك اذا نظرت القران فان الله جعل الرسالات والرسل مهيمنة على حال الناس وليس حال الناس هو الذي يهيمن على الشريعة لان الذي يضبط ما يصلح أحوال الناس وما يكون دون ذالك او خلاف ذالك هي أحكام الشرائع التي أنزلت على أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام ولهذا من اسم القران والتعريف به في كتاب الله أن الله جعله مهيمنا حتى على الكتب السماوية السابقة وعليه فان أحوال الناس مقصودة في الشريعة ولابد.
وما جعل الله سبحانه وتعالى التشريع على قدر من مفارقة للطاقة , او المفارقة للاستطاعة بل تعلمون أن كل التشريع معلق بهذا المقام وذكر الله سبحانه وتعالى هذا الحكم في سائر مقامات التشريع ومنه قوله جل وعلا {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} بل حتى وان أراد النطق ولو بكلمة كفر فان الله جل وعلا يقول {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا} الى اخر الاية فالتشريع على وفق الطاقة وعلى وفق الاستطاعة ومعتبر به حال الناس ولكن ليس معنى هذا أن التشريع معلق بها والانفس لان هوى الانفس البشرية لايكون واحدا من جهة بل يكون
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)