هذا البحث ينتظم في ثلاثة مباحث:
1 -بيان غلط اتكاء المانعين من التوسعة على الإجماع القديم.
2 -بيان عدم استلزام صحة حد الصفا والمروة حسب المسعى القديم القولَ ببطلان التوسعة الحادثة.
3 -وقفة تأمل في مقولة الشافعي.
المبحث الأول: بيان غلط اتكاء المانعين من التوسعة على الإجماع القديم:
أكثر ما اتكئ عليه المانعون من توسعة المسعى هو الإجماع، وهو لا يصح- والله أعلم - لهذه الأسباب:
السبب الأول:
أن مستند هذا الإجماع كان على أحد أوجه:
الوجه الأول:
النص على أن الصفا والمروة من شعائر الله.
وهذا لا يفيد المطلوب في عدم جواز التوسعة؛ لأنه معنىً متفقٌ عليه، وليس فيه النزاع.
الوجه الثاني:
سياق الأدلة والنقولات على وجوب السعي.
وهذا مقدارٌ يكاد لا ينازع فيه أحد من القائلين بجواز التوسعة، وهو أيضًا لا يفيد المطلوب في عدم جواز التوسعة.
الوجه الثالث:
سياق الأدلة والنقولات على وجوب وقوع السعي بين الصفا والمروة.
وهذا أيضًا معنىً متفقٌ عليه؛ وليس فيه الخلاف.
الوجه الرابع:
سياق حكايات أهل العلم للإجماع على مقدار عرض المسعى.
وهذا أيضًا مقدار متفقٌ عليه، فلا أحد ينازع في أن المسعى في ذلك الوقت كان على ما حدَّه أهل العلم، ولا أحد يدَّعى أن المسعى في ذلك الوقت كان زائدًا على القدر المحكي عنهم، فهذه الإجماعات إنما تفيد بيان المساحة التي كان الناس يسعون فيها في وقت الذرع، وأن ذلك كان بإجماع المسلمين، وهذا مقدار مسلَّم به؛ بل لا أحد ينازع في أن الإجماع القطعي قد وقع على صحة ذلك الذرع، وعلى صحة الإجماع العلمي للمسلمين على كون ذلك من المسعى المجزئ.
لكن ينبه إلى أمرين اثنين:
الأمر الأول:
أن هذا الذرع كان مع مزاحمة الأبنية؛ ولذلك فقد كان يتم الذرع من حدود هذه الأبنية المجاورة للمسعى، ابتداء وانتهاء، ولم ينقل - فيما أعلم - أنه تم ذرع حدود جبلي الصفا والمروة.
وبسبب هذه الأبنية فقد كان المسعى يتسع تارة، ويضيق تارة، بل قد كان ينتقص منه، بل كان في أحد الأزمنة منحرفًا إلى داخل المسجد الحرام، ثم أخرج منه، كما أفاده مجاهد والأزرقي.
وينبه أيضًا إلى أن الذرع المحكي عنهم لم يكن ساريًا على عرض المسعى كله، إنما هو في مواضع محددة منه، كما هو نص حكايتهم للذرع، ويكون بقية عرض المسعى زائدًا أو ناقصًا.
الأمر الثاني:
أن الإجماع على ذلك الذرع لا يفيد المطلوب؛ لأنه قاصرٌ على إجزاء المسعى القديم، لا على عدم جواز التوسعة الحادثة، فهو مفتقر إلى إجماع آخر يفيد عدم جواز التوسعة بما يزيد على ذلك المقدار.
وبيان ذلك:
أن الإجماع الذي حصَّلوه على منع التوسعة الحادثة قائمٌ على مفهوم الإجماع القديم، فالإجماع القديم ينص على صحة السعي في المقدار الأول بإجماع المسلمين، وهذا الإجماع الحادث ينص على عدم جواز السعي في التوسعة الحادثة؛ وبهذا يكون هذا الإجماع الحادث إنما بني على أحد مفاهيم الإجماع القديم، وهو مفهوم غير لازم؛ إذ يصح مع وقوع الإجماع القديم على صحة السعي في المقدار الأول؛ أن يقع الإجماع أيضًا على جواز التوسعة الحادثة، ويجوز أيضًا الاختلاف في التوسعة الحادثة كما هو واقع اليوم، ويجوز أيضًا أن يكون فيه تفصيل كما أفادته عبارة الشافعي المفصَّلة.
وعليه فإن الإجماع القديم لا ينص على عدم صحة التوسعة الحادثة، وإنما يدل على صحة السعي القديم، ويبقى المقدار الحادث، هو محل احتمال، فقد يكون مجمعًا عليه من حيث الجواز، وقد يكون مجمعًا عليه من حيث المنع، وقد يكون مختلفًا فيه، وقد يكون فيه تفصيل.
وقد يقال: فما الفائدة من ذلك الإجماع؟
فالجواب: هو أن ذلك لبيان المحل الذي كان الناس يسعون فيه ويجزئهم، بحسب الحدود المعروفة في ذلك الوقت، وأن هذا المقدار هو محل عمل المسلمين وإجماعهم، وأنه ليس من مثارات الخلاف.
وعليه فلا يلزم من صحة الإجماع القديم أن ما وراء هذا الإجماع هو أيضًا متفقٌ عليه، وكمْ قد حكى الفقهاء من مسائل الإجماع لبيان المقادير المتفق عليها من المسائل، ثم يبقى ما عدا ذلك هو محل خلاف.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)