وهذا الذي جعل العلماء يفرقون بين من سلك طريق الساحل ومن سلك طريق غير الساحل، فأصبح من يسلك طريق الساحل كأنه يخرج عن حدود ميقات المدينة، ويصبح كأنه صار في حكم الشامي والمصري الذي يقدم من الشام أو مصر، وحينئذٍ يكون ميقاتهم الجحفة، وهذا الميقات هو الذي يلي ميقات المدينة في البعد عن مكة، وهو يبعد فوق المائتين كيلو عن مكة.
وهذا الميقات ميقات من ذكرنا وأشار إليه المصنف لحديث عبدالله بن عباس، وكذلك حديث عبدالله بن عمر (( وأهل الشام من الجحفة ) )وقال: (( ولأهل الشام الجحفة ) )حديث عبدالله بن عباس، وقال في حديث ابن عمر: (( وأهل الشام من الجحفة ) )أي ويهل أهل الشام من الجحفة.
[وأهل اليمن يلملم] : وأهل اليمن ميقاتهم يلملم، وهي التي تسمى اليوم بالسعدية، وتبعد عن مكة بمرحلتين، وهذا الميقات نص النبي- r- عليه:"ولأهل اليمن يلملم"وهو ميقات في حكم ميقات قرن المنازل، المواقيت الباقية قرن المنازل الذي يسمى بالسيل الكبير، وذات عرق، ويلملم، هذه الثلاثة المواقيت متقاربة في البعد، ولذلك تكون في حكم الميقات المتقارب، لكنها في الجهات اختلفت.
وبسبب قرب هذه المواقيت أخطأ بعض المعاصرين فجعل جدة ميقاتًا، لأنه سامت بها يلملم، وسامت بها السيل الكبير، فقال: إن المسافة واحدة، فيعتبر ميقات من نزل بجدة فإنه يحرم منها، وهذا خطأ فاحش، فليست جدة بميقات، لأن جدة كانت معروفة حتى من عهد النبي- r- ، ولذلك لما سئل ابن عباس عن قصر الصلاة إلى الجموم؟ قال: لا، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف، فجدة ليست بميقات، ولذلك لم يسمها النبي- r- ميقاتًا؛ والسبب الذي جعل بعض المتأخرين يقولون: إن جدة ميقات كما هو موجود عند بعض متأخري الحنفية وهم وقع في بعض كتب المتقدمين من الحنفية، فإنهم ذكروا أن من قدم من البحر فميقاته من طرف جدة، بحيث إذا سامت البحر ما يبعد عن مكة بسمت الجحفة، فكأنهم جعلوه عوضًا بالسمت، وهذا المراد به أن يحرم وهو في داخل البحر، وهي مسألة مشهورة، يحرم في داخل البحر مُقَدِّرًا مسافة كبعد الجحفة، بحيث يسير كبعد الجحفة، لأنه يكون مثلًا قادمًا من أفريقيا فيدخل في البحر الأحمر؛ فحينئذٍ يقدر المسافة التي هي بُعد الجحفة من مكة، فيزيد عن بُعْد جدة ما فضل من الفرق، فلو كان مثلًا بُعْد جدة الآن فرضنا في القديم يصل إلى خمسة وسبعين كيلو، وإذا جئت تنظر إلى الجحفة تبعد مائتين كيلو، فتحسب مائة وخمسا وعشرين كيلو في البحر حتى تسامت الجحفة، وهذا هو الذي عني وهو من باب الرأي والاجتهاد، وهذا من باب السمت، ولكن مع ذلك لا يعنون به، وهذا معنى قولهم: غربي جدة، لما نصوا في بعض كتب الحنفية على أنه يحرم من غربي جدة يعني من البحر، من داخل البحر في الغرب، بحيث يقدر مسافة قبل وصول الباخرة والسفن إلى الميقات بقدر بُعد المراحل الموجودة في الجحفة، وهذا يسمونه ميقات السمت، وهو أن ينظر إلى السمت بتقدير المسافة، ولكن القول بأن نفس جدة تعتبر ميقاتًا هذا قول يخالف النصوص، وليست جدة بذاتها ميقاتًا وعلى ذلك الفتوى قديمًا وحديثًا، ولا زال علماؤنا ومشايخنا-نسأل الله أن يحفظهم ويرعاهم- يفتون بهذا، يرون أن جدة ليست بميقات، وهذا هو الذي أدركنا عليه أهل العلم، أن جدة ليست بميقات، وعلى هذا يمكن أن تكون ميقاتًا في مسألة السمت إذا كان في البحر بعرض البحر، وقدر مسافة تسامت الجحفة؛ لأنه لا يمكنه أن يمر بالجحفة، في بعض الأحيان لا يتيسر لمن كان في البحر أن يسامت الجحفة، كأن يأتي ولا يمكن أن يسامت الجحفة بالعرض يعني مسامتّا لجدة مباشرة، فإذا سامت جدة مباشرة كأن يأتي من شاطئ مصر فيقدر المسافة الموجودة وهو في عرض البحر حتى يسامت البعد الموجود في الجحفة عن مكة، هذا يسمونه بُعْد السمت، فإذا كان بنفس السمت الموجود في الجحفة حينئذٍ يحرم، على هذا يتخرج أن لو كان في الطائرة، لا يمر بالجحفة، ولكنه يقدر المسافة الزمنية التي تسامت المسافة المكانية التي يكون بها بعيدًا فيدخل في حدود المواقيت - أعني ميقات الجحفة - فحينئذٍ له أن يحرم، هذا كله من باب السمت وليس أن جدة بذاتها تعتبر ميقاتًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)