فهذه الأحاديث حمولة على من خرج عن الطاعة بلا تأويل أو بتأويل فاسد قطعًا كمن مع الزكاة عنادًا أو كتأويل ابن ملجم أنه وليُّ امرأة قتل عليٌ أباها فاقتص منه، وإلا أي قاتلونا أولم يكونوا في قبضتنا فقطاع طرق أي لهم ذات حكمهم فإن قتلوا أحدًا ممن يكافئهم اقتص منهم كغيرهم وتقبل شهادة البغاة لأنهم ليسوا بكفرة ولا فسقة وقضاء قاضيهم يقبل فيما يقبل قضاء قاضينا إذا توافرت صفات القاضي فيه فيقبل قضاؤه لأن لهم تأويلًا يسوغ فيه الاجتهاد إلا أن يستحل دماءنا فلا يقبل قضاؤه لانتفاء العدالة المشترطة في القاضي وكذلك الشاهد إن كان يستحل دماءنا لا تقبل شهادته وسواءٌ في ذلك الشهادة في المال والدم والفروج. ويُنَفَّذُ كتابه بالحكم فإذا كتب قاضيهم إلى قاضينا جاز له قبول حكمه وتنفذه وقيل الأولى ألا ينفذ كتابه بالحكم إستخفافًا بهم وإظهارًا للغضب على بغيهم ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح لأنهم ليسوا بفسقة عندنا فهم كأهل العدل المختلفين في الأحكام.
ولو أقاموا حدًا وأخذوا زكاةً وخراجًا وجزية وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم صح فقد روي أن عليًا رضي الله عنه لمّا غلب أهل البغي وقد كانوا حكموا مدة طويلة بأحكام لم يطالب بشيء مما قد كانوا حبوه من ذلك. وإن ادعى مَنْ عليه الجزية أنه دفعها إليهم فإن عَلِمَ الإمام بذلك أو قامت به بينة لم يطالبه بشيء وإن لم يعلم الإمام بذلك ولا قامت به بينة لم يُقْبَل قولُ مَنْ عليه الجزية لأنه يجب عليه الدفع إلى الإمام فهم كفار ليسوا بمؤمنين وفي الأخير وجه أي أنه لا يقبل توزيعهم سهم المرتزقة على جندهم لأن في ذلك تشجيع للناس على الخروج على الإمام. وما أتلفه باغٍ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال ضمن أي يضمن كلٌ منهما ما أتلفه للآخر من نفسٍ ومالٍ لأن فعل البغاة خطأ معفو عنه لتأويلهم وبذلك فارق إتلاف الحربي. قال تعالى: (ومن قُتِلَ مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا) الإسراء33، ولأن إتلاف أحدهما على الآخر بغير قتال محرَّمٌ فوجب ضمانه كما لو أتلفوه قبل البغي. وإلا أي وإذا كان الإتلاف في قتال بسبب البغي فلا فلا ضمان على واحد منهما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) الحجرات9. فقد أمر بقتالهم ولم يوجب ضمان ما أتلفوه عليهم، أخرج عبدالرزاق في المصنف والبيهقي في السنن (أن هشام بن عبدالملك أرسل إلى الزهري يسأله عن اكرأة من أهل العدل ذهبت إلى أهل البغي وكفَّّرت زوجها وتزوجت من أهل البغي ثم تابت ورجعت هل يقام عليها الحد؟ فقال الزهري: كانت الفتنة العظمى بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم البدريون فأجمعوا على أنه لا حدَّ على من ارتكب فرجًا محظورًا بتأويل القرآن وأن لا ضمان على من سفك دمًا محرمًا بتأويل القرآن وأن لا غرم على من أتلف مالًا بتأويل القرآن) .
وفي قول يضمن الباغي ما أتلفه من نفسٍ أو مالٍ ولو كان الإتلاف في قتال. قال تعالى: (ومن قُتِلَ مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا) الإسراء33. والباغي ظالم ويُرَدٌّ على هذا أن عليًا رضي الله عنه قاتل أهل الجمل وقتل منهم خلقًا عظيمًا وأتلف مالًا عظيمًا ثم مَلَّكَهُم ولم يُنقل أنه ضمن أحدًا منهم ما أتلف من نفس أو مال فدل على أنه إجماع.
والمتأول بلا شوكة أي بلا قوة وامتناع لا يثبت له شيء من أحكام البغاة فحينئذ يضمن ما أتلفه ولو في قتال. وعكيع كباغٍ وهو من له شوكة بلا تأويل فحكمه في الضمان وعدمه مثل حكم الباغي ولا يقاتل البغاة حتى يبعث الإمام إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون فقد بعث عليٌ ابنَ عباس إلى أهل النهروان من الخوارج فرجع بعضهم إلى طاعة الإمام وأبى كثيرون فإن ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها فقد أخرج عبدالرزاق في المصنف (أن عليًا رضي الله عنه لما كاتب معاوية رضي الله عنه وحكَّمَ خرج من معسكره ثمانيةُ آلاف ونزلوا بحروراء وأرادوا قتاله فأرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنه، فقال لهم: ما تنقمون منه؟ قالوا: ثلاثٌ، فقال ابن عباس: إن رفَعَها رجعتُم؟ قالوا: نعم، قال: وماهي؟ قالوا: حكَّمَ في دين الله ولا حكم إلا لله، وقتل ولم يَسْبِ فإن حلَّ لنا قَتْلُهُم حلَّ لنا سَبيُهُم، ومحا اسمه من الخلافة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)