دليلهم: حديث أبي هريرة t مرفوعًا: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) أحمد وأبو داود والنسائي. ولكنّ صيارفة الحديث ونقاده كالبخاري والدارقطني والبيهقي والترمذي وابن عدي أعلوا هذا الحديث، والمحفوظ منه النهي عن البروك كبروك البعير، والأظهر حمله على مشابهة هيئته بأن يرتطم بالأرض بقوة، أو أن يجعل مؤخرته أعلى من رأسه حال الهوي. والله أعلم.
ثم يقول: (سبحان ربي الأعلى ثلاثًا) أو"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم أغفر لي"أو
"سبوح قدوس رب الملائكة والروح"أو غيرها مما صح. وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فيسن أن يجتهد في الدعاء لأنه موطن إجابة.
(ثم يرفع رأسه مكبرًا ويجلس مفترشًا) والافتراش: أن تفرش رجلك اليسرى وتقعد عليها وتنصب اليمنى مستقبلًا بأصابعها القبلة، أما وضع اليدين حال الجلوس، فقد ورد على ثلاث صفات:
الأولى: وضعهما على الفخذين.
الثانية: وضعهما على الركبتين.
الثالثة: وضعهما على الفخذين، وجعل أطراف الأصابع على الركبتين. (ويقول"رب اغفر لي"ثلاثًا) وورد أيضًا:"رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني"، ولا أعلم دليلًا على استحباب التثليث هنا.
(ثم يسجد الثانية) أي السجدة الثانية (كالأولى) أي: كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال، (ثم يرفع رأسه مكبرًا وينهض قائمًا) .
*مسألة: حكم جلسة الاستراحة؟
جلسة الاستراحة: جلسة خفيفة تكون عند القيام من وتر الركعة الأولى أو الثالثة إلى الركعة التي تليها.
ومشهور المذهب: أنها لا تسن، وهو قول جمهور الفقهاء.
والرواية الأخرى في المذهب، وهو قول الشافعي: أنها سنة.
وأدله سنية هذه الجلسة:
1 -حديث مالك بن الحويرِث t: أتينا إلى النبي r ونحن شَبَبَة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة .. وكان فيما قال لهم: (وصلوا كما رأيتموني أصلي) ، وذكر أنه r إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. البخاري.
فلما كان هذا المقام مقام تعليم أولًا،وكان أولئك النفر من الشُّبَّان، ولم يبين لهم r أنه جلس هذه الجلسة لكبر أو مرض، دلَّ ذلك على كونها من السنن.
2 -حديث أبي حميد الساعدي t في ذكر صفة صلاة النبي r قال: ثم يقول الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم ينهض. وكان ذلك بحضرة عشرة من الصحابة، وفي آخره قالوا: (صدقت، هكذا كان يصلي r ) .
قيل: فادِّعاء أن النبي r إنما فعلها لكِبَر أو مرض يقضي بأن الصحابة لم يكونوا يفرقون بين ما يفعله r تعبدًا، وما يفعله لحاجة. وهذا باطل.
3 -ورودها في رواية لحديث المسيء صلاته.
4 -ورودها في حديث صلاة التسبيح، لكنه حديث منكر عند جمع من الحُفّاظ.
وقد نقل الخلال -من أصحاب أحمد - أن الإمام أحمد رحمه الله رجع إلى القول بسنيتها آخِرًا.
*مسألة:هل يبتدئ تكبير الانتقال للركعة التالية من الرفع من السجود حتى يجلس للاستراحة، أم يكون ابتداءً من الجلسة وحتى ينتصب قائمًا، أو يبتدئ من الرفع من السجود وحتى القيام فيشمل الحالين السابقين ويستوعبهما بالتكبير. (ثلاثة أقوال) .
قال الشيخ الموفق رحمه الله تعالى: (ثم يرفع رأسه مكبرًا وينهض قائمًا)
*مسألة:هل ينهض معتمدًا على ركبتيه أم على الأرض بيديه؟
معتمد المذهب: النهوض على الركبتين إلا أن يشق عليه فيعتمد على الأرض.
وذهب مالك والشافعي إلى أن المسنون الاعتماد على الأرض باليدين مستدلين بحديث مالك بن الحويرث t في الصحيح، وبما جاء عن ابن عمر t أنه كان يعتمد إذا قام، ويقول: (رأيت رسول الله r يفعله) البيهقي والطبراني في الأوسط.
وإذا رجحنا الاعتماد على اليدين فهل يكون ذلك ببسط الكفين على الأرض، أم يكون بقبض أصابع الكفين وضمها كما يفعل عاجن العجين ويتكئ على ظهورهما؟
أما حديث ابن عمر t الذي ذكرته قريبًا فيعرف بحديث العَجْن، وهو مختلف فيه من حيث الصحة والضعف، وهو مستند من يرى ضم أصابع الكفين كعاجن العجين. قال الجوهري: (عَجَن إذا قام معتمدًا على الأرض من كبر) . قال ابن الصلاح: (وفي هذا مظنة للغالط، فمِن غالِطٍ يغلط في اللفظ فيقول العاجِز بالزاي، ومِن غالط يغلط في معناه دون لفظه؛ فيقول العاجن بالنون لكنه عاجن عجين الخبز فيقبض أصابع كفيه ويضمها كما يفعل عاجن العجين) .
(قلت) : فالصواب - إن شاء الله تعالى - الاعتماد على الأرض باليدين ببسط الكفين كما يعتمد المسن الكبير.
(فيصلي الثانية كالأولى) أي: الركعة الثانية مثل الأولى فيما عدا تكبيرة الإحرام والاستفتاح.
*مسألة: هل يتعوذ في الثانية، (بل في كل الركعات غير الأولى) ؟
رواية المذهب المعتمدة: أن الاستعاذة تختص بالركعة الأولى دون غيرها؛ لأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة.
والرواية الأخرى في المذهب: أن الاستعاذة مطلوبة كل ركعة؛ لقوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام.
(1) إلا إذا كان بجواره مصلٍّ فلا يؤذيه ولا يضايقه بذلك.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)