بعده (2) ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه"."
وقال:"وبهذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد وجوز له المرور وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه، إلا أن بعضهم قال يحرم مرورهما لإحتمال التلويث، و منهم من قال إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور و إلا فلا".
فانظر رحمك الله كيف قال: المرور، أمّا عند حكم المكث فيصرح بالتحريم، وإذا أمنت التلويث فإنه يجوز لها المرور فقط.
(1) هذه الرواية فيها احتمال إرسال؛ ولذلك استشهد ابن كثير لصحتها بحديث آخر صحيح في صحيح البخاري.
(2) كذا قال رحمه الله.
ثمّ حكى بعد ذلك قول الطبري السابق نقله واختيار الطبري لتأويل الآية، ثم قال ابن كثير:
"وهذا الذي نصره - يعنى الطبري -هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن:"
1 -تعاطى الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها.
2 -وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهى الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضًا، والله أعلم.""
وقال"وقوله عزّ وجل {حتى تغتسلوا} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبوحنيفة ومالك والشافعي أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله بطريقة، وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد لما روى سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح أنّ الصحابة كانوا يفعلون ذلك."
فائدة:
أوضح ابن كثير أن تفسير آية {ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا ... } أي لا تقربوا مواضع الصلاة وأنه قول الجمهور، وفي ذلك رد على من قال أن المقصود حقيقة الصلاة وأنه قول أكثر المفسرين! (1)
نعم من الصحيح أنه قول بعض المفسرين بلا شك، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، وقد عرفت قول الجهبذين الطبري و ابن كثير.
3 -ومن تفسير مفاتح الغيب لفخر الدين الرازي:
بعد أن نقل الرازي الاختلاف في تأويل الآية، قال إن أصحاب الشافعي انتصروا لقوله بوجوه منها:
الأول: أنّه - سبحانه و تعالى - قال: {لا تقربوا الصلاة} والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة، إنّما يصحان على المسجد.
الثاني: أنّا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحًا، أمّا لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحًا لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد؛ فإنّه يجوز له الصلاة بالتيمم، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى.
(1) قال ذلك فخر الدين الرازي، ونقله بعد ذلك بعض المعاصرين.
الثالث: أنّا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر فهذا إن كان واجدًا للماء لم يجز له القرب من الصلاة البتّة فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية، وإن لم يكن واجدًا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وأمّا على ما قلناه فإنّا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية؛ فكان قولنا أولى.
الرابع: أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء وجواز التيمم بعد هذا، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية. والذي يؤكده أن القرّاء استحبوا الوقف عند قوله {حتى تغتسلوا} ثمّ يستأنف قوله {وإن كنتم مرضي} لأنّه حكم آخر. وأمّا إذا حملت الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الإلحاقات، فكان ما قلناه أولى.
وقال الرازي أيضًا: قيل للذي يجب عليه الغسل جنب لأنّه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر.
4 -وقال القاضي أبو بكر بن العربي في"أحكام القرآن":
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)