وَأَحَدُ مَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى كُفْرِهِ: مَا مَنَعَ الشَّرْعُ أَنْ يُقْرَنَ بِالْإِيمَانِ أَوْ أَوْجَبَ ضَمَّهُ إلَى الْإِيمَانِ لَوْ وُجِدَ دَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ مَفْقُودٌ مِنْ قَلْبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَفَرَ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ طَرِيقِ التَّأْوِيلِ فَإِنَّمَا كَفَّرْنَاهُ بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى فَقْدِ مَا هُوَ إيمَانٌ مِنْ قَلْبِهِ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَقْضِيَ السَّمْعُ بِكُفْرِ مَنْ مَعَهُ الْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِقَلْبِهِ" (5) ."
وقال العضد:"فإن قيل: فشادُّ الزنار ولابسُ الغيار بالاختيار لا يكونُ كافرًا؟"
قلنا: جعلنا الشيء علامةً للتكذيبِ، فحكَمنَا عليه بذلك" (6) ."
أي: هذه الأعمال علامةُ على الكفر الذي هو التكذيب وإن سميت كفرًا فهو تجوُّزٌ.
قال الباقلاني بعد كلامه آنف الذكر:"وليس في المعاصي كفرٌ غيرُ ما ذكرناه - أي التكذيبُ -، وإن جاز أن يُسمَّى أحيانًا ما يُجعلُ علمًا على الكفر كفرًا، نحو عبادة الأفلاك والنيران واستحلال المحرَّمات وقتل الأنبياء، وما جرى مجرى ذلك مما وردَ به التوقيفُ وصحَّ الإجماعُ على أنَّهُ لا يقعُ إلا من كافرٍ بالله ومُكذِّبٍ له وجاحدٍ له" (7) .
والحقُّ أنَّ ما دفعوا به هذا التناقضَ مكابرةٌ ظاهرةٌ (8) ، وقد انتبهَ لذلكَ أبو الحسن الآمدي، فلم يرتض تعريفهم للكفر بالجهل، قالَ:"وأمَّا الكفر في اصطلاحِ المتكلمين: فقد اختلفوا فيه على حسب اختلافهم في الإيمان، فمن قال الإيمان بالله هو معرفتُه قال: الكفرُ هو الجهلُ بالله تعالى."
وهو غيرُ منعكسٍ على المحدودِ، وشرط الحدِّ أن يكون مطَّردًا منعكسًا حتى لا يكون الحدُّ أعمَّ من المحدود، ولا المحدود أعم من الحد كما سبق تعريفه.
وبيان أنه غير منعكس: أن جحدَ الرسالة وسبَّ الرسولِ والسجودَ للصنم وإلقاءَ المصحف في القاذوراتِ كفرٌ بالإجماع، وليس هو جهلًا بالله تعالى فإنه قد يصدر ذلك من العارف بالله تعالى والجاهلِ بالدلالة على العلمِ، بامتناعِ هذه الأمور، أو مع المعرفة بها؛ فلا يكون فعل هذه الأمور دالًا على الجهل بالله تعالى" (9) ."
وقال الصفي الهندي:"أما حد الكفر، فقد قال القاضي أبو بكر: إنه الجحدُ بالله تعالى، وفسَّرَهُ تارةً بالجهل وتارةً بأنه يتضمَّنُ الجهل، وهو باطلٌ، لأنه إن أراد به الجهلَ بوجودِهِ لم ينعكِس، وإن أرادَ به الجهلَ بذاته أو بصفةٍ من صفاته لم يطَّرِد لأنَّ أصحابَنَا اختلفُوا في كثيرٍ من صفاتِ الله تعالى، ولا شكَّ أن الحقَّ في ذلك واحدٌ، والمخالفُ له يكون جاهلًا بتلك الصفة، فيلزمُنَا تكفيرُ أصحابنا."
ولا ينعكسُ، لأنَّ العارفَ بالله تعالى وصفاتِهِ إذا أنكر نبوَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو أنكر شيئًا من القرآن أو من أركانِ الدين فهو كافرٌ.
وأصح ما قيل في حده ما قاله الشيخ الغزاليُّ رحمه الله: وهوتكذيبُ الرسول في شيءٍ ممَّا جاءَ به" (10) ."
وتعريف الغزالي هذا تعقَّبَهُ الآمديُّ أيضًا بقوله:"وهو باطل بمن ليس بمصدق ولا مكذب بشيء مما جاء به الرسول فإنه كافر بالإجماعِ، وليس بمكذِّبٍ (11) ، ويبطلُ أيضًا بأطفالِ الكُفَّار ومجانينِهِم فإنَّهُم كُفَّارٌ وليسوا بمُصدِّقينَ ولا بُمكذِّبينَ" (12) .
قلت: وتعريف الغزالي هذا نقضه أيضًا بعضُ الأشاعرة حين كفروا من كذب ببعض أصولهم البدعية التي لم يأتِ بها الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الحلقة القادمة بإن الله تعالى.
فتبين بهذا أن تعريفهم الكفر بالجهل أو التكذيب، يناقِضُه تكفيرُهم لمن لم ينطَبِق عليه هذا الحدُّ ممن أنكرَ بلسانه وهو مصدِّقٌ بقلبه، أو ممن أتى بفعلٍ أو قولٍ مُكفِّرٍ وهو مُصدِّقٌ بقلبه، أو ممن أعرض فلم يصدِّق بقلبه ولم يكذِّب، وأن ما سلكوه لدفع هذا التناقض مسلك ضعيف، والله أعلم.
(1) مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري (154) .
(2) التمهيد.
(3) مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري (153 - 154) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)