والجدير ذكره انتشار معتقدات القول بوحدة الوجود، ودعوى صحة إيمان فرعون، وأن عذاب الكفار هو نعيم لهم، واتصاف المخلوق بصفات الحق، وتصويب عبادة الأصنام وغيرها من القبائح، وقد وصل أثر هذه الفتنة حدًا من الانحطاط الذي جعل الفسقة والأراذل يرددون أقوال الوحدة التي خرجت من العلم المضنون به على غير أهله وسامه كل أحد، ومن ذلك أن جماعة يتعاطون كأس الخمر ويقول أحدهم للآخر: وعزتي لئن لم تعطني الكأس لأرسلنك إلى خلقي. فكان لا بد من موقف صارم يوقف هذا العبث.
دور العلماء في التصدي لجماعة ابن عربي:
بعد أن قطعنا السير عند الأسباب الأربعة التي أججت هذه الفتنة، نأتي الآن إلى ذكر أبرز العلماء الذين ناضلوا عن الحق، ووجهوا سهامهم في وجه هذه الأفكار بالكر والفر حتى دحضت وباءت بالخسارة في نهاية السجال فممن سبق ذكره:
ـ أبو بكر بن محمد الخياط ت 811 هـ:
قال السخاوي: (انتهت إليه رئاسة الفقه وجرت بينه وبين المجد الشيرازي مراجعات بسبب إنكاره على المشتغلين بكتب ابن عربي) وكان أجاب على سؤال السلطان عن تحصيل كتب ابن عربي بقوله (قد آن لابن الخياط ألا تأخذه في الله لومة لائم، لا يجوز ولا يحل تحصيل كتب ابن عربي لا قراءتها ولا إقراؤها فإنها مردودة على مصنفها) وذلك رد على فتوى الشيرازي صاحب القاموس الذي رد على فتوى الخياط في رسالة (الاغتباط لمعالجة ابن الخياط) .
ـ أحمد بن أبي بكر الناشري ت 815 هـ:
قاضي زبيد ومدرس الصلاحية كان ينكر على صوفية زبيد كثرة الإمعان في السماع وكثرة الدعاوى في الشطح واشتغالهم بكتب ابن عربي، وكان للصوفية قبول عند السلطان في عصر الأشرف وولده الناصر كما سبق، فأخرج الناشري أيامًا يسيرة بسبب ذلك، له كتاب (بيان فساد مذهب ابن عربي) .
ـ إسماعيل بن أبي بكر ابن المقري ت 837 هـ:
صاحب (الروض والإرشاد) و (عنوان الشرف الوافي) وغيرهما، أوذي بسبب موقفه وهجم عليه أعوان الناصر بمنزله بالنخل من وادي زبيد، وقبض على بعض الطلبة وسلم من أذاهم، وبعد موت الناصر ووقوف المنصور في صف المناوئين للصوفية جمع فتاوى بردَّةِ الكرماني، وكتب بذلك سجلًا فاستحضره فأحضر فاستتابوه من كل دين يخالف الإسلام، وقرئ ذلك السجل على منبر زبيد يوم الجمعة، له كتاب بعنوان (الرد على الطائفة الصوفية الغوية) وله شعر في الديوان يرد على أفكار أهل الوحدة، وهو أيضًا يتولى الصوفية القائمة على الزهد ويمثل عليهم بالجنيد والسري السقطي ومن سار بسيرهما قبل أن يتلوث التصوف في الفلسفة ويغرق في وحلها، قال شعرًا:
وخذ نهج سهل والجنيد وصالح ** وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر
على الشرع كانوا ليس فيهم ** لوحدة ولا لحلول الحق ذكر لذاكر
وممن أبلي في هذا الميدان أحمد بن إبراهيم العسلقي المحدث الفقيه ت 806 هـ، كان ينكر على الصوفية بزبيد كابن الرداد وأتباعه، وربما هموا بمكروه لينالوا منه فيمنعه الله، له قصيدة في الرد على من يبيح السماع.
ومحمد بن علي بن نور الدين 825 هـ مفتي موزع، كان ينكر على الصوفية اشتغالهم بكتب ابن عربي ويقول أن الفصوص أحق أن يسمى الغصوص وله كتاب (كشف الظلمة عن هذه الأمة) تكلم فيه على مقالات ابن عربي القبيحة، وبين أن مقالاته في الفصوص لا تخرج عن مذهب الفلاسفة إلا بما زاده عليهم من قوله بالاتحاد، فإنه مذهب النصارى لكنهم ادعوه في عيسى عليه السلام خاصة، وهذا زاد فادعى اتحاد الحق سبحانه بكل إنسان، ومن ثم صوب عبادة الأصنام، وقد ناظر الكرماني في مذهبه الردي.
ومنهم حسين بن عبد الرحمن الأهدل ت 855 ـ له كتاب (كشف الغطاء) وهو جامع في هذا الموضوع واستفاد منه العلماء من بعده، وذكر جملة من أخبار الصوفية وردود الفقهاء عليهم في كتاب (تحفة الزمن) ( [10] ) .
ذكر من وفد إلى اليمن وأصابه من شررها:
-مجد الدين الفيروز أبادي ت 817 هـ:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)