يقال له ولأمثاله كالرازي والشهرستاني ونحوهما من / المتأخرين الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية أو قالوا: إنه دليل على نفي ذلك: أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلا على نفيها، أو قلتم بإثباتها، وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلا فلا تعارضوا به المسلمين، أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمون، ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلا وشرعا.
وحرف المسألة أن كلامه مبني على تماثل الجواهر
[المحقق: وحرف المسألة. كذا في جميع النسخ]
[قلت: لا إشكال فيه]
وهذا الخيال في الجواهر المحسوسة نظير خيال من أثبت الجواهر المعقولة، لكن تلك محلها العقل، وهذه محلها الخيال
وهذا المعنى قد رأيت منه عجائب لهؤلاء النظار، يتكلم كل منهم مع كل قوم على طريقتهم بكلام يناقض ما تكلم به على طريقة أولئك، مع تناقض كل من القولين في نفس الأمر، وهذا إما أن يكون لكونه لم يفهم أن هذا المعنى الذي أثبته بهذه العبارة هو الذي نفاه بتلك، فلا يكون قد تصور حقيقة ما يقول، بل تصور ما يتقيد باللفظ بحيث إذا خرج المعنى عن ذلك اللفظ لم يعرف أنه هو، وهذا قبيح بمن يدعي النظر في العقليات المحضة التي لا تتقيد بلغة ولا لفظ، وإما أن يكون مع نسيانه وذهوله في كل مقام لما قاله في المقام الآخر، وهذا أشبه أن يظن بمن له عقل وتصور صحيح، لكنه يدل على أن له في المسألة قولين، وأنه يقول في كل مقام ما ترجح عنده في ذلك المقام لا يمشي مع الدليل مطلقا بل يتناقض، وإما أن يكون مع فهمه التناقض [كذا] ، وحينئذ فإما أن لا يبالي بتناقض كلامه وإما أن يرجح هذا في هذا الموطن وهذا في هذا الموطن.
وجمهور الناس على أن الأجسام مختلفة من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم وقد ذكر الأشعري في مقالاته النزاع في ذلك.
والمقصود هنا بيان اعتراف هؤلاء بفساد الأصول التي بنوا عليها ما خالفوه من النصوص، وبيان تناقضهم في ذلك، وأنهم يقولون إذا تكلموا في المنطق وغيره بما يناقض كلامهم هنا، ويبعد - أو يمتنع في العادة - أن يكون هذا لمجرد اختلاف الاجتهاد، مع الفهم التام في الموضعين، بل يكون لنقص كمال الفهم والتصور، وخوفا أن لا يكون القولان متنافيين، فلا يهجم بإثبات التناقض أو لنوع من الهوى / والغرض، ولو لم يكن إلا مراعاة الطائفة التي يتكلم باصطلاحها أن لا يخالفها فيما هو من مشهورات أقوالها، ولعل كلا الأمرين موجود في مثل هذه المعاني التي تعبر عنها العبارات الهائلة، ولها عند أصحابها هيبة ووهم عظيم
الجواهر العقلية عند من يثبت جوهرا ليس بمتحيز كالعقول والنفوس، والمادة والصورة، فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون أن الجوهر خمسة أقسام، وجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون: هذه الأمور التي سميتموها جواهر عقلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان.
ومعلوم أن الأمور التي لا يمكن وجودها إلا حادثة متعاقبة ليس الكمال في أن يكون كل منها أزليا، فإن ذلك ممتنع، ولا في أن ذلك لا يكون، فإن ذلك نقص وعدم، بل في أن تكون بحسب إمكانها على ما تقتضيه الحكمة، فيكون وجود تلك المرادات الحادثة من الكمالات التي يستحقها ولا يحتاج فيها إلى غيره، فيكون فعله ما يفعله للحكمة من أعظم نعوت الكمال التي يجب أن يوصف بها ونفيها عنه يقتضي وصفه بالنقائص، وإن كل كمال يوصف به فليس مفتقرا فيه إلى غيره أصلا، بل هو من لوازم ذاته سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، الذين يصفونه بالنقائص ويسلبونه الحكمة التي هي من أعظم نعوت الكمال توهما أن إثباتها يقتضي الحاجة / إلى غيره، وذلك غلط محض، بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله وكمال نعوته، لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)