ومن مساوئ ذاك الاصطلاح المحدث أنه أدى بعض الجهال إلى أنه يوجد في الدين قضايا يعذر تاركها أو المخالف فيها ولو كانت فرضًا واجبًا متفقًا عليه بين العلماء، بدعوى أنها ليست من الأصول، فحصل استخفاف عظيم بأحكام الشريعة، وظهرت مصطلحات تشبه المصطلح الأم، كقولهم:"الدين لباب وقشور"، وقولهم:"الدين كليات وجزئيات"، ونحو تلك الألفاظ الشنيعة التي المقصود منها التفلت من ربقة الشريعة، وعدم الانقياد لأحكامها إلا بما أشربت القلوب من هواها، والله المستعان.
فالحاصل، أن تفريق الدين إلى أصول وفروع لا أصل له في الشريعة، وعليه، يبطل أيضًا التفريق بين التقليد في الأصول فلا يجوز وبين التقليد في الفروع فيجوز، وأن التقليد في الأصول والفروع له حكم واحد، فما يقال في الأصول يقال في الفروع، وكذا العكس.
فإذا اتضح هذا، فالتقليد في الشريعة فيه كلام معروف عند أهل الأصول، فمنهم من منعه مطلقًا كالمعتزلة وأبي محمد ابن حزم وادعى الإجماع على ذلك، ومنهم من أوجبه مطلقًا كمتعصبة المذاهب، ومنهم من فصل، فقال: إن التقليد لا يجوز إلا عند الحاجة والعذر كالعجز عن الاستدلال أو ضيق الوقت عن الاجتهاد ونحو ذلك، وهذا أعدل الأقوال.
وقد ثبت في الصحيحين عن معاوية عن النبي r أنه قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) . ولازم ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا، فيكون التفقه في الدين فرضًا، وقد صح عن النبي r أيضًا أنه قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) . رواه الحاكم في"تاريخه"بسند حسن عن أنس.
والتفقه في الدين هو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك، لم يكن متفقهًا في الدين، لكن من الناس كعوام المسلمين من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه، لقوله تعالى:] فاتقوا الله ما استطعتم [، وقوله:] لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها[. وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا. وقيل: يجوز مطلقًا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال، واختاره المحققون كأبي العباس ابن تيمية رحمه الله.
ثم هل له أن يقلد عالمًا مثله أو أعلم منه، نزاع بين الفقهاء، فظاهر مذهب مالك والشافعي المنع مطلقًا، ومذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق الجواز مطلقًا، وذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إلى أنه لا يجوز أن يقلد مثله، بل يقلد من هو أعلم منه.
فالمقصود هنا أن التقليد يجوز عند الحاجة والعذر، فالعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام ولا يفقه مسالك الاستدلال يجوز له أن يقلد عالمًا ويعمل بقوله، لقوله تعالى:]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [، فأمر الله جل وعلا من لا يعلم أن يسأل من يعلم.
وعليه، فالتقليد في العقائد، يجوز عند العذر والحاجة، كأن لا يعرف الشخص كيفية الاستدلال، أو أن يضيق عليه الوقت في طلب الدليل، ونحو ذلك من الأعذار.
وما زال المسلمون يحتجون في كتبهم وخطاباتهم بأقوال أئمتهم وعلمائهم في التوحيد والعقيدة، بدء من الصحابة وانتهاء إلى من اجتمعت كلمة المسلمين على إمامته في الدين ورسوخه في العلم، وهذا لا يخفى على أحد اطلع على كتب العقائد، وإليك بعض الأمثلة، وهي غيض من فيض:
قال عمرو بن دينار:"أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ، وإليه يعود".
وقال سفيان بن عيينة:"أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق".
قال أبو نعيم:"أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق".
وقال الإمام أحمد:"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله r والاقتداء بهم".
وقال أيضًا في وصف عقيدة أهل السنة:"هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي r إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق".
وقال الأوزاعي:"أدركت الناس وهم يقولون: الإيمان قول وعمل".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)