-ثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومه أو الفصل بين الناس في أمر ما ان يحكم بينهم بالعدل، سواء كان محكمًا أو ولى أمر عام أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة أسداه إلي عباده من الموعظة إغراء لهم بالقيام بحقها والوقوف ةعند حدودها، وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله من كمال السمع والبصر ترغيبًا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرًا من مخالفة شرعه خوف عقابه، ثم أمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله r مطلقًا، لأن الوحى وكله حق، وأمر بطاعة أولى الأمر فيما وضح أمره من المعروف لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك، فإن اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع في بيان الحق والفصل فيما اختلف فيه إلي الكتاب والسنة لقوله سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
وقوله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) .
وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة فإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مالًا، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد، فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع وأخذ بأسباب الوصول إلي الحق، فهو مأجور، أجران إن أصاب حكم الله، ومعذور مأجور أجرًا واحدًا إن أخطأه، وله أن يعمل بذلك في نفسه وأن يحكم به بين الناس، ويعمله الناس مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين بناء على قاعدة التيسير ورفع الحرج وعملًا بقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
وبقول النبي r"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"ولقوله r"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد"رواه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذى وابن ماجه. ومن لم يبذل جهده في ذلك ولم يسأل أهل العلم وعبد الله على غير بصيره، أو حكم بين الناس في خصومة فهو آثم ضال مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) .
وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله لكن غلبه هواه أحيانًا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس في بعض المسائل أو القضايا على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة مثلًا فهو آثم لكنه غير كافر كفرًا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفًا بأنه أساء ولم ينتقص شرع الله ولم يسيء الظن به بل يجز في نفسه ما صدر منه ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى، روى الحاكم عن بريدة رضي الله عنه عن النبى r أنه قال:"قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضي به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمدًا، أو قضي بغير علم فهو في النار ...".
إن من كان منتسبًا للإسلام عالمًا بأحكامه، ثم وضع للناس أحكامًا وهيأ لهم نظمًا ليعلموا بها ويتحاكموا إليها، وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام، فهو كافر خارج من ملة الإسلام، وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك.
ومن أمر الناس بالتحاكم إلي تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام، وكذا من يتولى الحكم بها ويطبقها فيلا القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء في الإعراض عن حكم الله، لكن بعضهم بوضع تشريع يضاهى به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينة، وبعضهم بالأمر بتطبيقة أو حمل الأمة على العمل به أو ولى الحكم به بين الناس أو تنفيذ الحكم بمقتضاه، وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم بما لم يأذن به الله ويم ينزل به سلطانًا، فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه وكانوا شركاء في الزيغ والألحاد والكفر والطغيان، ولا ينفعهم علمهم بشرع الله واعتقادهم ما فيه من إعراضهم عنه وتجافيهم لأحكامه وإتيانهم بتشريع من عند أنفسهم وتطبيقه والتحاكم إليه، كما لم ينفع إبليس علمه بالحق واعتقاده إياه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)