وأما الجزئية الثانية وهي: هل استفاد ابن تيمية من المشروع الفكري للإمام الأشعري في مرحلته الوسيطة؟ وهل استفاد من المشروع الإصلاحي للغزالي؟ وهل يعتبر ابن تيمية امتدادًا للغزالي؟
فهذه مسائل قد يرى كثير من السلفيين أن إمامهم السلفي أعلى قدرًا من أن يكون قد تأثر بهذه المدارس مع أن ذلك لا يعيبه، بل ربما يزينه أن يكون الناقد البصير الذي يعرف ما يأتي وما يذر.
ولعله من المنصف تاريخيًا أن نقول: إن النهضة العلمية التي بدأها نظام الملك ومعه الجويني ثم الغزالي قد مهدت الطريق لابن تيمية -رحمهم الله جميعًا-، وأن ابن تيمية وجد الأرض وقد حرثت وبذرت فيها بذورٌ بعضها صالح وبعضها غير ذلك، فقام هو بإعادة ترتيب الأوضاع وتمحيص السني من البدعي، حتى استوى مشروع النهضة الإسلامية على يديه، وبلغ أشده.
وعلى أية حال فالمسألة تاريخية ولا أظن أن أحدًا من السلفيين سوف يمانع من الاعتراف بهذا متى ثبت له ذلك تاريخيًا.
وأما أن ابن تيمية قد نسج على منوال الأشعري، فلا أظن أنه يخفى على أحد أن ابن تيمية قد فعل ذلك، بل وبيَّن الآفة التي منعت الأشعري من تمام مشروعه على المنهج السني، ومن ثَمَّ لمَّا تلافاها هو كان له التوفيق بإذن الله، وذلك أن الأشعري - كما يصفه ابن تيمية - أراد أن يرد على المعتزلة بطريقتهم، ولكن كانت معرفته بالحق إجمالية، ومعرفته بالباطل تفصيلية فوافق المعتزلة في بعض أصولهم دون أن يدري.
فنستنبط من مفهوم هذا الكلام أن ابن تيمية رد على المعتزلة وغيرهم بطريقتهم، ولكن بعد أن تمكن من المعرفة التفصيلية بالحق مع المعرفة التفصيلية أيضًا بالباطل، فأصبح الفرق بين الأشعري وابن تيمية -مع أن كليهما كان ذكيًا ألمعيًا- مثل الفرق بين الطالب الذي يُعطى معضلاتٍ لحلها فيصيب حينًا ويخطئ حينًا، وبين طالب في نفس درجة ذكاء الأول يُعطى أمثلةً محلولةً ويطلب منه فهمها وفك رموزها، وكان المثال محلولًا عند ابن تيمية بالمعرفة التفصيلية بالحق كتابًا وسنة وأقوالًا للسلف.
وهذا أحد أسرار قوة حجة هذا الإمام الذي لا يقرأ منصف تراثه إلا وقف منبهرًا به وبقوة حجته فضلًا عن انبهاره بقوة شخصيته، وجمعه بين العلم والعمل في صورة قلما تتكرر في التاريخ الإسلامي.
وأخيرًا فالسلفيون ليسوا كما وصفهم الأستاذ جمال سلطان في -جريدة المصريون أيضًا- بارعون في خسارة تعاطف الناس وودهم، أو على الأقل ليسوا كلهم بل ولا معظمهم كذلك.
فذلك فنحن نرحب أن ينتقل مُنَظِّر اشتراكي كبير في حجم الدكتور عمارة عن الاشتراكية، وإن كان قد انتقل منها إلى العقلانية، ومازلنا نتابع إعجابه البالغ بابن تيمية لعلنا نراه قريبًا من دعاة السلفية، وما ذلك على الله بعزيز.
إن المتابع لكلام الدكتور عمارة يجد أنه قد أعطى كل عقله لابن تيمية بينما مازال قلبه لا يستطيع أن يخطئ رموز العقلانية القدماء كالغزالي، والمعاصرين كمحمد عبده، فلم يستطع أن يخطئهم في اجتهادات جوهرية.
ولو أنه تمَعَّن قليلًا في طريقة ابن تيمية في التعامل مع الرجال -لاسيما من أفضى منهم إلى ما قدَّم، حيث يسعه تعظيم حسناتهم مع استدراك أخطائهم، والاعتذار لهم عنها بكل ما أمكن من أعذار طالما أنكرنا الخطأ ذاته وتبرأنا منه - لوجد في ذلك مخرجًا يجمع فيه بين الانتصار للحق وبين حفظ الجميل لرجال أَثْرَوا الحركة الإسلامية قديمًا وحديثًا رغم ما عندهم من بدع أو انحرافات.
تجربة الدكتور عمارة تذكرنا بتجربة الأستاذ"محمد رشيد رضا"الذي سيبقى مثالًا فذًا للتجرد والإنصاف، حينما تحول عن المشروع العقلاني وهو آنذاك إمامه الأوحد، على الرغم من العلاقة القوية بينه وبين رائد المدرسة العقلانية قبله الشيخ محمد عبده.
ورغم أن الأستاذ رشيد رضا لم تتسنى له فرصة مراجعة كل كتاباته لآرائه القديمة وفق المنظور السلفي إلا أنه وبهذا الانتصار للحق لقب بأبي السلفية في مصر، رغم بعض المآخذ عليه.
فهل نأمل أن نرى من الدكتور عمارة"محمد رشيد رضا"جديدا، هذا ما نتمناه من كل قلوبنا، وما ذلك على الله بعزيز.
موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)