"وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة، من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار."
ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضهم بعضًا [من تلك الفرق] ببعض المقالات، كما قد بسط الرد عليهم في غير موضع" (2) ."
ولهذا نجد أن من كفر الجهمية من السلف مثل ابن المبارك ووكيع أخرجوهم من الثنتين وسبعين فرقة، وألحقوهم بالسبئية والغرابية وأمثالها.
وحتى في المناهج الجامعية نجد أن كليات أصول الدين مثل كليتي مكة والمدينة حاليًا تفصل بين الفرق الخارجة عن الإسلام وبين الفرق الأخرى.
(1) مجموع الفتاوى (3/ 179) .
(2) ص:206).
فالأمر واضح لا لبس فيه إلا عند المعاندين أو المعذورين من غير المتخصصين.
وكيف يكون عند الأشاعرة لبس في موقف أهل السنة والجماعة منهم، وهم يقفون نفس الموقف من المعتزلة فهم يصفونها بالضلال في كتبهم ولا يقولون إن هذا يعني إخراجهم من الملة، فمن حقنا أن نلزمهم من واقع كتبهم.
وإذا تقرر هذا تبين أنه لا مبرر لمطالبة الأشاعرة بإدخالهم في أهل السنة والجماعة بدعوى أن هذا يجنبهم تهمة الخروج من أهل القبلة؛ لأن ذلك يعني هدم هذه القاعدة كلها، إذ لو أدخلناهم لأدخلنا غيرهم حتى لا يبقى من تلك الفرق الثنتين وسبعين فرقة إلا دخلت، وهذا ليس في أيدينا ولا في يد بشر إنما نحن متبعون لا مبتدعون.
أما باب الدخول الحقيقي فمفتوح على مصراعيه، فمن الذي منعهم أن يرجعوا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة التي هي عقيدة القرون الثلاثة والأئمة الأربعة وسائر أئمة الهدى في هذه الأمة المعصومة؟!
وهذا خير لهم في الدنيا والآخرة من بقائهم على بدعتهم وتفاخرهم بأنهم أقرب الفرق لأهل السنة والجماعة، وقد سمعت هذا التفاخر من بعضهم فعجبت لمن يعرف الحق ويفتخر بقربه منه ثم لا يكون من أهله ودعاته!
ولكن لله في خلقه شئون .. !
-كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة:
ونأتي أخيرًا إلى الشعار الذي اتخذه القوم ستارًا للطعن في عقيدة السلف سرًا وجهرًا حتى إذا قام أحد يرد عنها السهام صاحوا في وجهه:"لا تفرق كلمة المسلمين، إن وحدة الكلمة أهم من هذه القضايا."
لماذا تثير خلافات عفى عليها الزمان واندثرت؟
لماذا الاهتمام بالقشور والشكليات؟
والحق أنه لو سكت كل أعداء الحق عن محاربته -ولن يسكتوا أبدًا- لما جاز لنا أن نسكت عن بيانه للناس ودعوتهم إليه، فكيف يجوز أن نسكت وهو يحارب والذي يطالبنا بالسكوت هو المحارب المهاجم.
هذه الأمة الممزقة المقطعة الأوصال، يراد منا أن نسكت عن بيان طريق الخلاص لها وندعها تتخبط في ظلمات البدع حتى لا نفرقها بزعمهم.
وكأن القوم لا يعلمون ما الذي فرقها بعد أن كانت مجتمعة.
إن دعوى تقديم توحيد الكلمة على كلمة التوحيد مصادمة للحق من جهة ولسنن الله في الحياة من جهة أخرى.
وأمام القائلين بها خياران لا ثالث لهما:
1 -إما أن يلتزموا تعميم هذا الحكم على كل من انتسب للإسلام وعليه فلا يجوز أن نثير أو نبحث خلافًا أو نكتب ردًا على أي فرقة تدعي الإسلام كالقاديانية والبهائية والدروز والنصيرية والرافضة والبهرة والصوفية الحلولية وسائر الطوائف الكافرة بل ندعوها جميعًا إلى جمع الصف ووحدة الكلمة لمحاربة الشيوعية والصهيونية وما منها إلا من هو مستعد لذلك إن صدقًا وإن كذبًا.
ومن لوازم هذا -على كلامهم- حرق أو إخفاء كتب عقيدة الأشاعرة لأنها تثير الخلاف مع المعتزلة وغيرهم، فهي إذن تمزق الصف وتشتت الكلمة بل هي كما يعلم الصابوني وأمثاله تشتم أهل السنة والجماعة وهم أكثر المسلمين.
ومما يجب إعدامه أيضًا مقالات الصابوني نفسها؛ لأنه كرر فيها حكمه بالتضليل للخوارج والرافضة وهذا بلا شك يغضب الشيعة والإباضية فهو -على كلامه- قد فرق كلمة المسلمين أيما تفريق!!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)