ليس هذا من مذهب السلف أبدًا، وإنما مذهب السلف أن هذه النصوص تبين وتقرر حكم من فعل هذه الذنوب، أما تحقق هذا الحكم فيه وتطبيق الوعيد وتنفيذه فيه فهو متوقف على شروط لا بد من تحققها وموانع لا بد من انتفائها (1) ، فقد يقتل الرجل نفسًا مؤمنة متأولًا مجتهدًا -كما كان من اقتتال الصحابة رضي الله عنهم- ويكون هذا الذنب في حقه مثل النقطة السوداء في بحر من الحسنات وأعمال التقوى.
وقد يقتله ظالمًا متعديًا وليس له رصيد من الخير يكفِّر عنه هذا الجرم.
فليس هذان عند الحكيم الخبير سواء وليس حكمهما في مذهب السلف واحدًا.
وكذلك الفرق بين زان وزان، وشارب خمر وآخر، وسارق وسارق، وآكل مال يتيم ومثله.
وقد صح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن شارب الخمر ومع هذا صح عنه النهي عن لعن الصحابي الذي شربها، وجلده الحد فلعنه بعضهم فنهاه وشهد له بأنه يحب الله ورسوله.
فحب الله ورسوله في هذا المعين مانع من تحقق الحكم المطلق فيه وهو الوعيد لشارب الخمر في الدنيا والآخرة.
وهكذا معاملة أهل القبلة في مجال العقيدة.
فإن أصحاب المناهج والفرق البدعية، منهم من هو على الحد الأدنى منها وله مع ذلك علم وعبادة وجهاد وإخلاص في نصرة الدين، ومنهم من يكون رأسًا في البدعة داعيًا إليها بقصد وسوء نية، بل وربما تكون هذه البدعة مجرد ستار لعقائد أخبث يضمرها في نفسه.
فمع اشتراك هذين في أصل المنهج وشمول الاسم لهما معًا، وتناول الوعيد المطلق لكل منهما يظل الفرق بينهما حقيقة قائمة لا شك فيها.
(1) انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى: (12/ 479 - 501) .
فالمنهج له حكمه والأفراد كل بحسب حاله، وتقويم الفكرة في ذاتها غير تقويم حامليها كل على حدة.
حتى منهج السلف نفسه يتفاوت أصحابه فيه جدًا، فمنهم من هو في غاية التمسك به قولًا وعملًا واعتقادًا ودعوةً، ومنهم من هو على الحد الأدنى منه.
بل نحن نقول: إن بعض المنتسبين أو المنسوبين إلى مناهج بدعية ليس منهم أصلًا، ولكنه متوهم يحسب أنهم على الحق وأن الانتساب إليهم لا ضير فيه مع أنه لا يوافقهم في مذهبهم لو عرفه حق معرفته، أو أنهم مخطئون في نسبته لمذهبهم، ولو فتشنا لما وجدنا فيه مما يدعون شيئًا.
ولهذا كانت هذه الأمة -ولله الحمد- أكثر أهل الجنة مع أن الفرقة الناجية منها واحدة فقط، وما هذا إلا لأن المعدودين حقًا من الفرق الثنتين وسبعين لا يساوون بالنسبة لسلف الأمة وخلفها إلا نزرًا يسيرًا، أما من اتبعهم عن جهل أو خطأ أو حسن نية أو تأثر بهم دون أن يشعر فله حكم آخر، والله تعالى حكم قسط ورحمته أوسع وفضله أعظم (1) .
والحاصل أن أحكام الآخرة ومنازل الناس فيها خاضعة لأمر أحكم الحاكمين وأعدلهم، أما نحن في الدنيا فمأمورون أن نحكم على كل منهج أو فرد بما حكم الله به عليه من غير إفراط ولا تفريط، ونتقيد بالضوابط التي جاءت في مذهب السلف.
قال شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله في مناظرته للأشاعرة والماتريدية أثناء المحاكمة التي أشرنا إليها:
"فأجبتهم عن الأسئلة: بأن قولي اعتقاد الفرقة الناجية، هي الفرقة التي وصفها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنجاة حيث قال: {تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} ."
(1) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة الكلام عن حديث (204) .
فهذا الاعتقاد [يعني ما في الواسطية] هو المأثور عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة بالأسانيد أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.
ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته.
بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، كما يقال: من صمت نجا" (1) .."
وقال في الإيمان:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)