وهناك قضية بالغة الخطورة لاسيما في هذا العصر وهي الأخطاء العلمية عن الكون التي تمتلئ بها كتب الأشاعرة والتي يتخذها الملاحدة وسيلة للطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم.
من ذلك ما حشده صاحب المواقف في أول كتابه من فصول طويلة عن الفلك والحرارة والضوء والمعادن وغيرها مما قد يكون ذا شأن في عصره لكنه اليوم أشبه بأساطير اليونان أو خرافات العجائز.
(1) شرح الباجوري: (31) ، شرح الكبرى: (39، 210، 213) ، حاشية الدسوقي: (54 - 70 - 97) ، مصادر الموضوعات السابقة.
ومن ذلك قول البغدادي:"إن أهل السنة (1) ، أجمعوا على وقوف الأرض وسكونها" (2) .
واستدل على ذلك في كتابه أصول الدين"بمعنى اسم الله الباسط"قال: لأنه بسط الأرض وسماها بساطًا خلاف زعم الفلاسفة والمنجمين أنها كروية (3) ، ومثله صاحب المواقف الذي أكد أنها مبسوطة وأن القول بأنها كرة من زعم الفلاسفة (4) .
ورحم الله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ما كان أعظمه حين قال:"والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين. وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام، فإن أكثر كلام أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع" (5) .
-ضابط من ضوابط معرفة الفرق واختلافها:
من المعلوم لدى الباحثين في الفرق واختلافها أن لكل فرقة أساسًا منهجيًا تتفق عليه طوائفها وترجع إليه أصولها وقواعدها، وكل من خالف فيه خرج عن انتسابه لها، ومن لم ينطبق عليه لم يدخل فيها.
فمثلًا كل من قال: بالأصول الخمسة فهو معتزلي، ومن قال: إن الإنسان مجبور على أفعاله فهو جبري، وكل من قال إن الإيمان هو المعرفة أو التصديق فهو مرجىء، وكل من قال بالكلام النفسي والكسب فهو أشعري .. إلى آخر ما هو معروف.
وهذا ضابط منهجي يحدد به الباحث الفرقة والانتماء إليها.
وبتطبيق هذا الضابط الذي لا خلاف في تحديده يتبين قطعًا أن المرجئة والقدرية والمعتزلة ليسوا من أهل السنة والجماعة وهذا ما تقوله الأشاعرة ولا تخالف فيه.
(1) يعني بهم الأشاعرة كعادته هو وبعض أصحابه، ولهذا يجب التفطن لمثل هذا عند النقل من كتبهم.
(2) الفرق بين الفرق: (318) .
(3) انظر أصول الدين (ص:124) .
(4) انظر المواقف: (199، 217، 219) .
(5) الرد على المنطقيين (311) .
ومن الثابت عن كثير من السلف، وعليه جرى المصنفون في الفرق والمقالات من أهل السنة والأشاعرة، أن أصول الفرق الثنتين والسبعين الخارجة عن أهل السنة والجماعة أربع"القدرية، والشيعة، والخوارج، والمرجئة".
فنقول بعد ذلك:
إذا كان المرجىء والقدري ليسا من أهل السنة فما حكم من جمع بين الإرجاء والقدر، أو الإرجاء والجبر، أو جمع بين أصول المعتزلة وقول الرافضة؟
أيكون هذا من أهل السنة والجماعة أم أكثر بعدًا منهم؟
والجواب الطبيعي معروف.
وعليه نقول:
1 -إذا كانت المرجئة الخالصة [أي التي لم تخلط بالإرجاء شيئًا من البدع في الصفات أو غيرها] ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم، فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالإرجاء كاملًا وزادوا عليه بدعًا أخرى في أبواب العقيدة الأخرى كما مر سابقًا.
2 -إذا كانت الجبرية الخالصة ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم، فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالكسب [الذي اعترف كثير منهم بأنه جبر وإن لم يكن جبرًا فهو بدعة على أي حال] وزادوا عليه كما سبق.
أضف إلى هذا أن كل ذم للصوفية فللأشاعرة منه نصيب لأن أكثر أئمة الصوفية المنحرفين كالغزالي وابن القشيري كانوا أشاعرة ...
3 -هل يرضى الأشاعرة أن يقال عنهم معتزلة؟
فإن قالوا: لا. وهو المتوقع.
قلنا: وأهل السنة والجماعة لا يرضون أن يقال عنهم أشاعرة أبدًا.
فإن خالفونا، قلنا: تعالوا لنقيس نحن وأنتم المسافة بينكم وبيننا وبينكم وبين المعتزلة وعندها ترون أنكم أقرب إليهم منكم إلينا وإن كنتم أقرب إلينا منهم.
4 -لو أن أي باحث في الفرق يعرف أصولها وضوابط تحديدها اطلع على كتب فرقة من الفرق أو علم من الأعلام فوجدها مملوءة شتمًا وتضليلًا وتبديعًا وتكفيرًا لفرقة معينة.
فهل يجوز له أن يكتب في بحثه أن هذه الفرقة وتلك سواء؟
أو أن هذا جزء من هذه؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)