وهي كغيرها هبة من الله عز وجل يعطيها من يشاء وحضور البديهة دليل على حدة الذكاء مع قوة الذاكرة وحسن التصرف في أحلك الظروف وأحرجها وهي دليل الفصاحة وحسن البيان مع الإيجاز دون كلفة بل تخرج من قائلها تلقائيًا دون سابق إعداد وقد أوتي الإمام ابن تيمية منها حظًا وافرًا، وبدأت تظهر هذه النَّجابة منذ صغره حيث أسفرت عن حضور بديهته فقد قال الإمام الذهبي:"حكى لي عنه الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية قال: كان صغيرًا عند بني المنجا فبحث معهم فادعوا شيئًا أنكره فأحضروا النقل فلما وقف عليه ألقى المجلد من يديه غيظًا فقالوا له: ما أنت إلا جريء ترمي المجلد من يدك وهو كتاب علم فقال سريعًا: أيهما خير أنا أو موسى؟ فقالوا موسى: فقال: أيما خير هذا الكتاب أو ألواح الجوهر التي كان فيها العشر كلمات؟ قالوا: الألواح فقال: إن موسى لما غضب ألقى الألواح من يده أو كما قال" (4) ."وحكي أنه كان قد شكا له إنسان من قطلو بك الكبير وكان المذكور فيه جبروت وأخذ أموال الناس واغتصابها وحكاياته في ذلك مشهورة فلما دخل إليه الشيخ وتكلم معه في ذلك قال: أنا الذي كنت أريد أن أجيء إليك، لأنك رجل عالم زاهد يعني يستهزئ به [متهكمًا] فقال له ابن تيمية: قطلو بك: لا تعمل عليَّ دركواناتك (حيلك وألاعيبك) موسى كان خير مني وفرعون كان شر منك وكان موسى كل يوم يجيء إلى باب فرعون مرات ويعرض عليه الإيمان" (1) فسرعة بديهته قد عرف بها منذ صغره ولازمته حتى نهاية حياته وقد ساعدت هذه البديهة السريعة في انسياب مؤلفاته وتأصيل كلامه ومما يشهد لذلك أنه"سئل يومًا عن الحديث (لعن الله المحِّلل والمحلَّل له) (2) فلم يزل يورد فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلدًا كبيرًا" (3) واسم هذا المجلد: إقامة الدليل على بطلان التحليل وهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة ومما يدل على سرعة بديهته الكتابية أنه"لما أُخذ وسجن وحيل بينه وبين كتبه صنف عدة كتب صغارًا وكبارًا وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها وأي موضع هو فيها كل ذلك بديهة من حفظه؛ لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه ونقبت واختبرت واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير" (4) هذا إضافة إلى"ما وهبه الله تعالى ومنحه به من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل منها على المسائل وتبين مفهوم اللفظ ومنطوقه وإيضاح المخصص للعام والمقيد للمطلق والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وما يترتب عليها وما يحتاج فيه إليها حتى إذا ذكر آية أو حديثًا وبين معانيه وما أريد به أعجب العالم الفطن من حسن استنباطه ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه" (5) ، وقد عُملت (6) قصيدة من ثماني أبيات على لسان ذِمّيّ في إنكار القدر
امتحانًا لعلماء العصر وهي: (1)
أيا علماء الدين ذمي دينكم
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم
دعاني وسد الباب عني فهل إلى
قضى بضلالي ثم قال ارض بالقضضا
فإن كنت بالمقضي يا قوم راضيًا
وهل لي رضًا ما ليس يرضاه سيدي؟
إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة
وهل لي اختيار أن أخالف حكمة؟!
تحير دلوه بأوضح حجة
ولم يرضه مني فما وجه حيلتي؟!
دخولي سبيلٌ؟ بينوا لي قضيتي
فها أنا راضٍ بالذي فيه شقوتي
فربي لا يرضى لشؤم بليتي
وقد حرت دلوني على كشف حيرتي
فها أنا راضٍ باتباع المشيئة
فبالله فاشفوا بالبراهين حجتي
"فلما وقف عليها الإمام ابن تيمية فكر لحظة يسيرة وثنى إحدى رجليه على الأخرى وأجاب في مجلسه بديهة وأنشأ يكتب جوابها وجعل يكتب ويظن الحاضرون أنه يكتب نثرًا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم في بحر أبيات السؤال وقافيته" (2) ، والتي تجاوزت المائة بيت منها (3)
سؤالك يا هذا سؤال معاند
وهذا سؤال خاصم الملأ العلي
وأصل ضلال الخلق من كل فرقة
ويكفيك نقضًا أن ما قد سألته
وهبك كففت اللوم عن كل كافر
فيلزمك الإعراض عن كل ظالم
ولا تغضبن يومًا على سافكٍ دمًا
ولا شاتم عرضًا مصونًا وإن علا
ولا قاطع للناس نهج سبيلهم
وهل في عقول الناس أو في طباعهم
كآكل سم أوجب الموت أكله
فكفرك يا هذا كسم أكلته
فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)