وما في هذه الرسالة هو في خصوص"الزجر بالهجر للمبتدع ديانة" (5) لأهميته في: التميز، والردع، وعموم المطالبة به، ولأنه أصبح في الغالب من"السنن المهجورة"، تحت العوامل المذكورة في صدر هذه المقدمة، لهذا رأيت إفراده بهذه الرسالة إحياءً لهذه السنة، ونشرًا لها بضوابطها الشرعية التي تحفظ للمبتدع كرامته مسلمًا، وتكشف بدعته بوصفه مبتدعًا، ما لم تكن مكفرة كبدعة: القدر (6) ، والباب، والبهاء ... وتحفظ على أهل السنة والجماعة كف بدعته ومداخلتها في صفوفهم، وهذا واجب باتفاق المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في بيان وجوب النصح لصالح الإسلام والمسلمين:
"ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟؛ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً"ا. هـ. (7) .
هذا وما سيمر نظرك عليه في هذه الرسالة، فإنه ينتظم في جملته: أحكام الهجر الشرعي للكافر والمبتدع الضال ببدعته والعاصي المجاهر بمعصيته، لكن صار نسج الكلام وجلب الروايات والنقول في"هجر المبتدع"، لأن ضرره أعظم وخطره أشد، كما مر بك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، ويأتي له نظائر إن شاء الله تعالى.
وتجد رؤوس المعتبرات في هذه الرسالة على ما يلي:
1 -مقاصد الإسلام في الهجر.
2 -أنواعه.
3 -شروطه.
4 -صفته.
5 -منزلة هجر المبتدع من الاعتقاد.
6 -الأدلة العلمية من الكتاب والسنة والإجماع.
7 -إعمال الصحابة فمن بعدهم له في مواجهة المبتدع.
8 -ضوابط الهجر في الشرع.
9 -عقوبة من والى المبتدعة.
10 -التحذير من إشاعة البدعة.
فاللهم"ارزقنا هديًا قاصدًا" (8) و"جنِّبنا منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء".
المبحث الأول
مقاصد الإسلام في الهجر:
فوائد الهجر للمبتدع التي قصدها الشرع كثيرة، منها ما يعود إلى الهاجرين القائمين بهذه الوظيفة الشرعية العقدية، ومنها ما يعود إلى المهجور وإلى عامة المسلمين، وإلى حماية السنن من البدع والأهواء، فالهجر الشرعي ومنه"هجر المبتدعة": عقوبة زجرية متعددة الغايات والمقاصد الشرعية المحمودة، وهي على ما يلي:
1 -أن"الزجر بالهجر"عقوبة شرعية للمهجور، فهي من جنس الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وأداء لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقربًا إلى الله تعالى بواجب الحب والبغض فيه سبحانه وتعالى.
2 -بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في هذه البدعة وتحذيرهم.
3 -تحجيم انتشار البدعة.
4 -قمع المبتدع وزجره، ليضعف عن نشر بدعته، فإنه إذا حصلت مقاطعته والنفرة منه بات كالثعلب في جحره.
أما معاشرته ومخالطته، وترك تحسيسه ببدعته: فهذا تزكية له، وتنشيط وتغرير بالعامة، إذ العامي مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالبًا، فلابد إذًا من الحجر على المبتدع استصلاحًا للديانة وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع، قال:
"فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر، لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام،. وإقبالًا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به والعمل بما ينافيه."
وأيضًا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)