(إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت. فإذا أنا بربي ـ عز و جل ـ في أحسن صورة، فقال: يامحمد فيم يختصم الملأ الأعلى ... الحديث) .
أخرجه أحمد (5/ 243) ، و صححه الترمذي (5/ 368) و نقل عن البخاري ـ أيضًا ـ تصحيحه. و رواه ابن خزيمة في التوحيد (1/ 542) .
ـ و أما حديث ثوبان، فقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (2/ 543) بنحو لفظ حديث معاذ بن جبل.
ـ و أما حديث أم الطفيل ففيه:
أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رأى ربه ـ عز و جل ـ في النوم في صورة شاب ذي وفرة، قدماه في الخضرة، عليه نعلان من ذهبٍ. على وجهه فَرَاش من ذهب.
رواه ابن أبي عاصم في السنة (1/ 205) ، و الطبراني في الكبير (25/ 143) ، و اللالكائي في أصول الاعتقاد (ح909) ، والبيهقي في الأسماء و الصفات (2/ 368) .
و هذه الأحاديث الثلاثة كلها صريحة في كون الرؤيا كانت منامًا، ولم تكن حال اليقظة. و من ثم لم يستشكلها العلماء. و إن اختلفوا في صحة حديثي أم الطفيل، و ثوبان.
لكن الإشكال جاء عند بعض أهل العلم في حديث رابع جاء من طريق ابن عباس و لفظه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:"رأيت ربي ـ عز و جل ـ في صورة شاب أمرد، له وفرة، جعد قطط، عليه حلة خضراء".
و لم يرد في سياقه ما يفيد أن الرؤيا كانت منامًا.
و هو حديثٌ معروف من رواية حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
و قد أطال في ذكر طرقه أبو يعلى في: (إبطال التأويلات 1/ 133 و ما بعدها) .
و خرجه الطبراني في السنة (كما نقله السيوطي اللآلئ 1/ 29) .
و أخرجه ابن عدي في الكامل (2/ 677) .
و البيهقي في الأسماء و الصفات (رقم 938) .
و هو عند هؤلاء مذكورٌ بتمامه.
و غيرهم قد يذكر الحديث مختصرًا، فيقتصر منه على أوله: (رأيت ربي عز و جل) . لكن كما قال ابن تيمية في نقض التأسيس:"الحديث معروف بطوله".
و ممن أخرجه مختصرًا:
الإمام أحمد (2/ 285) ، وابن أبي عاصم في السنة (440) . و أشار إلى اختصاره، و أخرجه مختصرًا الدارقطني في الرؤية (296 ـ 299) ، واللالكائي (987) ، وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة (1/ 205) .
و حيث لم يذكر في خبر ابن عباس أن تلك الرؤيا كانت منامًا، فقظ ظن بعض أهل العلم أن هذه الرؤيا كانت رؤيا عيانٍ ليلة المعراج. و من العلماء من استشكل معنى الحديث، فاستنكره و توقف في قبوله، كما وقع ذلك للحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في الميزان.
لكن الحديث ثابت من جهة النقل. و قد صححه جماعة من كبار أهل الحديث كالإمام أحمد بن حنبل، و الحافظ الكبير أبو زرعة الرازي، و أبو القاسم الطبراني، و غيرهم. و قد نقل ذلك كله عنهم أبو يعلى في إبطال التأويلات.
و ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ممن صحَّح هذا الحديث و أثبته، لكنه نبه في أكثر من موضع من مصنفاته على أن الرؤيا المذكورة فيه هي نفسها التي ذكرت في حديث أم الطفيل، و في حديث معاذ، فهي ـ إذًا ـ رؤيا منامٍ لا يقظة. و ذكر أن من ظن أن هذه الرؤيا كانت عيانًا ليلة المعراج، فهو مخطئ خطأً ظاهرًا.
بل ذكر ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن كل حديث فيه: (رأيت ربي) ، فإن المقصود به رؤيا منامٍ. و أكد أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ لم يرَ ربه رؤية عيانٍ في هذه الدنيا.
فمما قاله ـ رحمه الله ـ:
"قد روي أحاديث فيها ذكر الرؤية، و أنه رآه (في صورة كذا) ، و (أنه وضع يده بين كتفيه، حتى وجد برد أنامله) .... و هذا الحديث و نحوه كله رؤيا منامٍ، و كانت بالمدينة بعد المعراج. و أما أحاديث المعراج فليس في شيء منها ذكر رؤيته البتة أصلًا."
فالواجب اتباع الآثار الثابتة في ذلك، و ما كان عليه السلف و الأئمة، وهو إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيدة بالفؤاد. أما رؤيته بالعين ليلة المعراج، أو غيرها.
ثم قال ـ رحمه الله ـ:"تدبرنا عامة ماصنفه المسلمون في هذه المسألة، و ما نقلوا فيها قريبًا من مئة مصنفٍ، فلم نجد أحدًا روى بإسنادٍ ثابتٍ ـ لا عن صاحبٍ، و لا إمامٍ ـ أنه رآه بعين رأسه. و الله أعلم". (جامع المسائل ـ المجموعة الأولى: 107 ـ 108) .
و قال:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)