ومقتضى كون المسلم مسلمًا أن يستسلم لأمر الله ونهيه بغير تردد ولا حرج، كما قال تعالى:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب: 36] .
بل لا يكون المرء مسلمًا إلا باتباعه أمر الله، والتزامه بشريعته وحكمه في كل قضية من القضايا، كما قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا فيما قضيت ويسلموا تسليمًا" [النساء: 65] .
ومن يدعي أن الفكر الليبرالي حرية، وأن الإسلام نقيض الحرية فهو ظالم جاهل.
(1) ظالم لأنه لم يعرف الإسلام، فحكم عليه بهذا الحكم الجائر، المخالف للواقع، وظالم لنفسه لأنه بمثل هذا المعتقد يصل إلى دركات من الإثم خطيرة عليه في آخرته0
(2) وجاهل لأنه لم يعرف الإسلام حق المعرفة، ولم يعرف الليبرالية والعلمانية حق المعرفة.
فمن عرف الإسلام معرفة حقيقية عرف كم فيه من خير ومصلحة للبشرية، وعرف كم في خلافه من شر ومفسدة وبلاء وفتنة، لا يمكن أن يفضل الليبرالية الأرضية الجاهلية على دين الإسلام الرباني المحكم.
والزعم بأن الحرية الشخصية أساس في كل شيء، من كان يريد أن يصلي فليصل، ومن يريد أن يصوم فليصم، ومن أرادت الحجاب فلتتحجب، ومن لا تريد فتلك حرية شخصية.
قد يقال هذا في حق من لم يدخل في الإسلام ولم ينتسب إليه، أما من دخل في دين الإسلام فإنه يجب عليه أن يلتزم بأوامره ونواهيه وأحكامه وتشريعاته.
وأضرب لذلك مثلًا برجل طلب الانتساب الوظيفي إلى شركة فأعطوه شروط القبول والعضوية في هذه الشركة، ومنها أن يلتزم بالحضور في الساعة السابعة صباحًا ويبقى إلى الثانية ظهرًا، وأن يلبس زيًا معينًا، وأن يتقيد بأنظمة وتعليمات الشركة ويلتزم بتوجيهاتها ويحرص على مصالحها. فقبل هذه الشروط وانضم إلى هذه الشركة، ولكنه بعد حين صار يحضر التاسعة صباحًا وينصرف الواحدة ظهرًا، ويلبس زيا غير زي الشركة، ويذهب إلى مكتب غير مكتبه ويخالف توجيهات الشركة وأنظمتها، ماذا سيكون حاله؟
سيطرد حتمًا من الشركة شر طردة، ويخرج منها مذمومًا مدحورًا.
ولن يلوم أحد هذه الشركة في تعاملها مع هذا العضو المهمل المخالف للأوامر والتعليمات، ولن يجدي معه أن يقول أنا حر أتصرف كما أريد وليس لأحد علي أمر، بل أنا أمارس الحرية الشخصية والليبرالية الذاتية!!
ولن يقبل أحد هذه الحجة، ولن تشفع له هذه الدعاوى، ولن تجديه شيئًا عند كل عقلاء الأرض.
وكذلك الإسلام هو نظام وأوامر ونواهي وتعليمات فردية وجماعية اعتقادية وتشريعية وأخلاقية، وليس لأحد من المنتسبين إليه أن يقول أنا حر أفعل ما أريد، أو فلان حر يفعل ما يريد، فما دام قد انتسب إلى الإسلام وانتمى إليه فيجب عليه أن يلتزم بتعاليمه ويستمسك بأحكامه.
أما إنكار الأخ المنكر الذي وقعت فيه شقيقته المتبرجة فهو واجب شرعي باللسان أولًا وباليد إن كانت له طاقة بذلك، كما يجب عليه أن ينكر على والده الذي يسمح لبنته بممارسة المنكر ومخالطة الفساد وأهله0
وأرى على الأخ السائل قبل إنكار منكر تبرجها وسفورها وتقابلها مع الشباب وإنكار منكر تساهل الأب، أن يوجههم وينصح لهم، وأن يغرس في قلوبهم معاني الإيمان الأساسية، فإن هذه الأعمال لا تصدر من قلب معمور بالإيمان، ولا من نفس تخاف من الله وترجو ثوابه وتخشى عقابه، بل الغالب على هذا الصنف من الناس الغفلة والجهل واتباع الهوى، والركون إلى الدنيا وشهواتها، وإيثارها على الآخرة.
فوجب إصلاح هذا الخلل العظيم، وغرس المعاني الأولية في القلب، وبالذات غرس معاني حب الله تعالى وحب دينه وحب نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والخوف من الله والرجاء فيما عنده.
فمتى استقامت هذه المعاني في القلب استقامت الأعمال وتوجهت بوصلة النفس نحو ما يرضي الله تعالى بشكل تلقائي، ومن الأمور التي تعين على ذلك: معرفة مفاتيح القلوب وأوقات إقبالها، والمناسبات التي تتوجه فيها النفوس إلى الله تعالى.
أما الحكم الفقهي في كون الأخ يتولى أمر أخته إذا فقد الأب أهليته، فإن له ذلك بحكم القاضي الشرعي الذي يحكم بشريعة الإسلام.
لأن إسقاط الولاية عن الأب والحكم بها لأحد المحارم غيره أمر كبير وشأن عظيم، لا يتم بمجرد دعوى الابن أو بمجرد وقوع الأب في بعض المعاصي، أو تفوهه في حال الغضب ببعض الأقوال.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)