فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 15100 من 82138

وقد أثنى أبو الوليد على هذه الطريقة في غير ما موضع في بعض كتبه [10] ولكنه يراها أنها إنما تناسب الجمهور فقط دون العلماء فإنهم لا يقفون عندها، بل عليهم أن يغوصوا في بحار الفلسفة، فيكشفوا حقائق لا يدركها الجمهور، مع التكتم [11] الشديد وعدم التصريح بتلك الحقائق أمام الجمهور، فلو التزم أبو الوليد طريقة معينة في إصدار الأحكام على الناس لسهل علينا أن نصغي إلى أحكامه ثم ننقاشه، ولكنه صعب المنال وكثير التقلب, فبينما تراه يتحدث في باب الأسماء والصفات حديث سلفي مثبت الصفات واقف على ظاهر الشريعة فإذا هو يخطب على منصة أهل الكلام فيؤول وينفر عن الإثبات، ولو عرّجت على نادي الفلاسفة لوجدته في طليعة الحكماء الذين يعيشون في مخيم الغموض ويضربون في بيداء الأوهام والخيال، ولا تكاد تفقه كثيرًا مما يقولون، ولو مررت بمجموعة الفقهاء لرأيته في وسطهم يقارع الحجج بالحجج فيؤصل ويفرع، وربما دخل مجالس المحدثين ليتشبه بهم، على حد قول القائل:

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

فإن التشبه بالرجال فلاح

والصفة البارزة في ابن رشد أنه يرى نفسه أنه محلق في سماء الفلسفة مع مجموعة الحكماء تاركًا الجمهور في سذاجتهم - فيما يظن -.

ابن رشد يثبت المعاد بالأدلة العقلية والنقلية

يقول أبو الوليد:"والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع، وقامت عليه البراهين عند العلماء، وإنما اختلفت الشرائع في صفة وجوده، ولم تختلف في الحقيقة في وجوده"يشير ابن رشد إلى أن المعاد لم يكن محل نزاع بين الشرائع السماوية، أو لدى العقلاء والحكماء، بل كان محل اتفاق في المجالين الشرعي والفلسفي - إن صح التعبير - وإنما اختلفت الناس في أمرين في شأن المعاد:

1 -أهو روحاني فقط، أو روحاني وجسماني معًا، ثم يسوق ابن رشد الدليل فيقول:"والاتفاق على هذه المسألة مبني على اتفاق روحي في ذلك، واتفاق قيام البراهين الضرورية عند الجميع على ذلك"هكذا يصرح ابن رشد بأن الأدلة النقلية المأخوذة من الشرائع السماوية، والبراهين العقلية اتفقت على أن للإنسان سعادتين اثنتين:

1 -دنيوية.

2 -أخروية.

ويحلل ابن رشد المسألة قائلًا:"وانبنى ذلك عند الجميع على أصول يعترف بها عند الكل منها:"

أ - أن الإنسان أشرف من كثير من الموجودات.

ب - إذا كان كل موجود يظهر من أمره انه لم يخلق عبثًا، وأنه إنما خلق لفعل مطلوب منه، وهو ثمرة وجوده، فالإنسان أحرى بذلك، وقد نبه الله تعالى على وجود هذا المعنى في جميع الموجودات في الكتاب العزيز فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (ص: 27) , وقال جل من قائل وهو يثني على عباده الذين يدركون هذه الغاية المطلوبة من الوجود: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:191) "."

ثم يقول أبو الوليد:"ووجود الغاية في الإنسان أظهر منها في جميع الموجودات، وقد نبه الله تعالى عليها في غير مرة ما آية في كتابه العزيز فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون: 115) , وقال: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} (القيامة: 36) , وقال: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (يس: 22) ، وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} (الذريات: 56) , ثم يقول أبو الوليد - وهو يبين اتفاق الأدلة النقلية والعقلية على المعاد-:"ولما كان الوحي فد أنذر في الشرائع كلها بأن النفس باقية، وقامت البراهين عند العلماء على ذلك، وكانت النفوس يلحقها بعد الموت أن تتعرى عن الشهوات الجسمانية فإن كانت زكية تضاعف زكاؤها بتعريتها عن الشهوات، وإن كانت خبيثة زادتها المفارقة خبثًا لأنها تتأذى بالرذائل التي كانت قد اكتسبت وتشتد حسرتها على ما فاتها من التزكية عند مفارقتها للبدن، لأنها لا يمكنها الاكتساب إلا مع هذا البدن، وإلى هذا المقام الإشارة بقوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت