فكم كان جديرًا بابن رشد أن يطبق القاعدة التي يذكرها دائمًا في بحثه وهي: (لا يحق للباحث في مسائل الدين أن يطبق الاعتبارات الإنسانية على الأمور الإلهية) ، ولكنه خالفها ولم يلتزم بها - وللأسف - والملاحظ أن ابن رشد قد خالف علماء الكلام في مواقفهم من صفات الله، وأنكر عليهم تأويلهم وشدد الإنكار عليهم، وكان يرى أن تبقى نصوص الصفات على ظاهرها - كما يليق بالله - ويدعو إلى ذلك بكل صراحة، وهي دعوى حق طبعًا، ولكنه قلب ظهر المجن - كما يقولون - لهذه الطريقة في صفة الكلام، وانحاز إلى الطريقة الأشعرية وهي القول بخلق القرآن مع إثبات الكلام النفسي بل زاد عليهم حيث ادعى أن للقرآن حرفين، حرف مخلوق لله وحرف مصنوع للعباد دال على الحرف المخلوق، وهو موقف - كما ترى - في غاية الغرابة، بل انزلاقة خطيرة يخشى منها على إيمان صاحبها، والله المستعان.
موقف ابن رشد من مثبتة الصفات
جرت عادة معطلة الصفات الذين تعودوا أن يسلطوا ألوانًا من التأويل على صفات الله تعالى، إذا خالفت المعقول وأوهمت التشبيه - في زعمهم - جرت عادة هؤلاء بأن يلقبوا مثبتة الصفات بالألقاب التالية:
أ - المشبهة.
ب - المجسمة.
جـ - الحشوية.
وفي زعم هؤلاء أن الإثبات يستلزم التشبيه والتجسيم، وهو زعم فاسد لا يعتمد على قاعدة علمية ونظر سليم، وإنما هو زعم يتوارثه أهل الكلام بعضهم من بعض مبعثه إما الجهل، أو هوى في النفس، وإلا فإن التشبيه أو التجسيم أمر زائد على الإثبات فلا يلزم من إثبات العلم لله مثلًا ـ تشبيه الله بخلقه في علمه، ضرورة أن علم الخالق ليس كعلم المخلوق، لأن علم المخلوق يناسب حال المخلوق محدث مثله، محدود لا يحيط بالمعلومات، ومعرض للنسيان والغفلة والذهول، ثم إنه غير باق، ضرورة زوال الصفة بزوال الموصوف، وهذه الأعراض التي ذكرناها لعلم المخلوق ينزه عنها علم الخالق لأنه علم يليق به تعالى قديم قدم ذاته، محيط بكل شيء لا يلحقه نسيان أو ذهول، أو غفلة وهو باق بقاء الذات العلية، فإثبات صفات الله تعالى عند المثبتة على غرار قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص: 4) ، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110) ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (مريم: 65) , وما قيل في صفة العلم يقال في سائر الصفات الذاتية والفعلية، هكذا يثبت لدى المصنف أن الإثبات شيء والتشبيه شيء آخر والله ولي التوفيق.
وقد استخدم أبو الوليد بعض تلك الألقاب التي تقدم ذكرها في حق المثبتة جريًا على عادة القوم، وكان المتوقع من أبي الوليد أن يقف موقف البصير المنصف فيضع الأمور في نصابها، ويلحق الألقاب بأهلها، فيقول لمن أثبت صفات الله كما يليق به أنه مثبت، ولمن أول وحرف أنه مؤول، ولمن شبه صفات الله بصفات خلقه أنه مشبه.
وقد أثبتنا - فيما سبق - أن المثبتة ليسوا بمشبهين ولا مجسمين، بل طريقتهم وسط بين التشبيه والتعطيل، كما وضحنا آنفًا، وإذا كانت المشبهة قد غلت في إثبات صفات الله فأثبتوها معتقدين أنها صفات كصفات المخلوقين، بدعوى أنهم لا يعقلون من صفات الله إلا كما يعقلون صفات المخلوقين، فقدرة الله عندهم كقدرة المخلوقين, وإرادته كإرادتهم, واستواؤه كاستوائهم، كذلك محبته ورضاؤه، غلت المعطلة في التنزيه من الطرف الآخر فنفت وعطلت صفات الله تعالى أو بعضها، بدعوى التنزيه معتقدين أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه فأهل السنة والجماعة فقد هداهم الله إلى سواء السبيل ووفقهم فسلكوا مسلكًا وسطًا، فأثبتوا ونزهوا - أثبتوا لله ما أثبت لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال - وجميع صفاته كمال - إثباتًا بلا تشبيه أو تمثيل في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)