يفتتحون القراءة بالحمد» لا يدل على ذلك لأنه كان يفتتح بالتوجه وسبحانك اللهم وبباعد بيني وبين خطاياي وبأنه كان يستعيذ وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنه تقدم على قراءة الفاتحة شيئًا بعد التكبير، فيحمل قوله يفتتحون أي الجهر لتأتلف الأخبار انتهى. واستدل بهذا الحديث من قال إنه قال لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهم على ما حكاه الترمذي أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق لا يرون أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قالوا ويقولها في نفسه. قال الخطابي: قد يحتج بهذا الحديث من لا يرى التسمية من فاتحة الكتاب وليس المعنى كما توهمه إنما وجهه ترك الجهر بالتسمية بدليل ما روى ثابت عن أنس أنه قال: «صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» انتهى. قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث شعبة عن قتادة، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي عوانة عن قتادة بنحوه. [عون المعبود 2/ 487]
وكتب أبو معاذ اليمني
غرة شهر الله المحرم /لعام 1425هـ
وأخرج أحمد 6/ 302، وأبو داود (4001) والترمذي (2928) من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم]بسم الله الرحمن الرحيم [] الحمد لله رب العالمين [] الرحمن الرحيم [] ملك يوم الدين[يقطع قراءته آية آية. وصححه الدار قطني، والحاكم 1/ 232، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
أحدها: أنه يروي عن أنس أيضًا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة الذي يرد هذا.
الثاني: أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعفه طائفة، وقد اضطربوا في روايته إسنادًا ومتنًا، كما تقدم. وذلك يبين أنه غير محفوظ.
الثالث: أنه ليس فيه إسناد متصل السماع؛ بل فيه من الضعفة والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ.
الرابع: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسًا كان معه، بل الظاهر، أنه لم يكن معه.
الخامس: أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة، والراوي لها أنس وكان بالبصرة، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك؛ بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك، والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء.
السادس: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة، لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية؛ بل الشاميون كلهم: خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها؛ بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سرًا ولا جهرًا. فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده.
وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا وهذا شاذ معلل، إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته.
قال النووي في شرح صحيح مسلم في شرح هذا الحديث: استدل بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة ومن يراها منها ويقول لا يجهر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)