فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 13283 من 82138

موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون

وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها فان ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه وهذه كانت معدومة ثم وجدت فدل وجودها بعد عدمها على انها يمكن وجودها ويمكن عدمها فان كليهما قد تحقق فيها فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن

فنقول حينئذ الموجود والمحدث الممكن لابد له من موجد قديم واجب بنفسه فانه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الانسان نفسه وهذا من أظهر المعارف الضرورية فان الانسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته عضوا ولا قدرا فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر وكذلك أبواه لا يقدران على شىء من ذلك

ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان فان الصبى لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال من ضربنى فلو قيل له لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث فاذا قيل فلان ضربك بكى حتى يضرب ضاربه فكان في فطرته الاقرار

بالصانع وبالشرع الذى مبناه على العدل ولهذا قال تعالى أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون وفى الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء اسارى بدر قال وجدت النبى يقرأ في المغرب بالطور قال فلما سمعت هذه الآية ام خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون أحسست بفؤادى قد انصدع

وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الانكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول أم خلقوا من غير شىء أى من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم وهم يعلمون ان كلا النقيضين باطل فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى

وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال الوجود اما قديم واما محدث والمحدث لابد له من قديم والموجود اما واجب وإما ممكن والممكن لابد له من واجب ونحو ذلك وعلى كل تقدير فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه وموجود ممكن محدث كائن بعد إن لم يكن وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود وهو لا يعقل موجود في الشاهد الا جسما فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذى ادعاه

فعلم أن من نفى شيئا من صفات الله بمثل هذه الطريقة فان نفيه باطل

ولو لم يرد الشرع باثبات ذلك ولا دل أيضا عليه العقل فكيف ينفى بمثل ذلك ما دل الشرع والعقل على ثبوته فيتبين ان كل من نفى شيئا من الصفات لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم لزمه ما الزم به غيره وحينئذ فيكون الجواب مشاركا

وأيضا فاذا كان هذا لازما على كل تقدير علم أن الاستدلال به على نفى الملزوم باطل فان الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال ولهذا لا يوجد الاستدلال بمثل هذا في كلام أحد سلف الأمة وأئمتها وانما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة وتلقاه عنهم كثير من الناس ينفى عن الرب ما يجب نفيه عن الرب مثل أن ينفى عنه النقائص التى يجب تنزيه الرب عنها كالجهل والعجز والحاجة وغير ذلك وهذا تنزيه صحيح ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيعارض بما اثبته فيلزمه التناقض

ومن هنا دخلت الملاحدة الباطنية على المسلمين حتى ردوا عن الاسلام خلقا عظيما صاروا يقولون لمن نفى شيئا عن الرب مثل من ينفى بعض الصفات أو جميعها أو الأسماء الحسنى ألم تنف هذا لئلا يلزم التشبيه والتجسيم فيقول بلى فيقول وهذا اللازم يلزمك فيما اثبته فيحتاج أن يوافقهم على النفى شيئا بعد شىء حتى ينتهى أمره الى أن لا يعرف الله بقلبه ولا يذكره بلسانه ولا يعبده ولا يدعوه وان كان لا يجزم بعدمه بل يعطل نفسه عن الايمان به وقد عرف تناقض هؤلاء

وان التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون كان تناقضه أعظم فانه يقال له فهذا العالم الموجود اذا لم يكن له صانع كان قديما أزليا واجبا بنفسه ومن المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم وحينئذ ففى الوجود قديم ومحدث وواجب وممكن وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان

أحدهما قديم واجب

والآخر محدث ممكن

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت