فإن قال قائل: هذا ينقلب عليكم ؛ لأنه لو كانت الأمر يوجب التكرار لما كان لسؤاله معنى ، ولقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أمرت بأمر مفهوم معقول في لسانك أنه للتكرار ، فلم تسأل عما تعقله بالأمر ؟ .
قيل له: فائدة سؤاله ها هنا هو أنه لما رأى الصلوات والصيام يتكرران ، وكانت المشقة العظيمة تلحق في الحج ، ولا يكون مثلها في سائر العبادات ، ثم ورد عليه الأمر الذي يوجب التكرار ، خاف أن يكون بمنزلة سائر العبادات التي تتكرر ، فحينئذ سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الأمر يوجب فعل مرة واحدة لما كان لسؤاله معنى ؛ لأنه ليس بخالف أن يتكرر فيسأل عنه .
قال القاضي ـ رحمه الله ـ:
وعندي أن الصحيح ، هو أن الأمر إذا أطلق يقتضي فعل [138] مرة وتكراره يحتاج إلى دليل .
والدليل على ذلك: أن معنى قوله: (( صلوا ) )المراد منه فيما توجبه اللغة: افعلوا صلاة .
وقوله: (( صلوا ، ثم صلوا ) )يقتضي فعل صلاصتين .
وكذلك لو قال: (( صلوا عشر صلوات ) )أو (( عشرة أيام ) )اقتضى عددا أكثر من ذلك .
وكذلك إذا قال: (( صلوا أبدا ) )، وهذه ألفاظ قد وضعها أهل اللغة للتكرار ، فإذا ورد الأمر مجردا منها لم يدل بمجرد قوله: (( صلوا ) )إلا على فعل مرة واحدة ، والله أعلم . [139]
باب
القول في نسخ القرآن بالسنة
ليس يعرف عن مالك ـ رضي الله عنه ـ في هذا نص .
واستدل أبو الفرج القاضي المالكي على أن مذهب مالك ـ رحمه الله ـ: أن ذلك يجوز . [141]
قال: لأن مذهبه أن (( لا وصية لوارث ) )، وهذا من مذهبه يدل على أن نسخ القرآن بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وذهب على أبي الفرج أن مالكا ـ رحمه الله ـ قال في الموطأ: (( نسخت آية المواريث الوصية للوارث ) ).
والأمر محتمل ، وقد اختلف في ذلك: