ومذهب مالك ـ رحمه الله ـ التخيير في فعل ما اختلفت الأخبار فيه مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول الإمام ، آمين ، وتركه . [107] وما روي عنه من رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه وتركه . والتسبيح في الركوع وأشباه ذلك مما اختلفت الأخبار فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم تقم الدلالة على قوة أحدهما على الآخر ، ولا ما أوجب إسقاطهما ولا إسقاط أحدهما . [108]
والحجة في ذلك: أن الخبرين إذا ثبتا جميعا ، ليس أحدهما أولى من صاحبه ، ولا طريق إلى إسقاطهما ، ولا إلى إسقاط أحدهما ، وقد تساويا وتقاوما ، وما أمكن الاستعمال ، فلم يبق إلا التخيير فيهما ، وأن يكون كل واحد منها يسد مسد الآخر ، وصار بمزلة الكفارة التي قد دخلها التخيير ، والله أعلم . [109]
باب
القول في خبر الواحد والقياس يجتمعان
ومذهب مالك ـ رحمه الله ـ أن خبر الواحد إذا اجتمع مع القياس ولم يكن استعمالهما جميعا قدم القياس عند بعض أصحابنا .
والحجة له هي أن خبر الواحد لما جاز عليه النسخ ، والغلط ، والسهو ، والكذب ، والتخصيص ، ولم يجز على القياس من الفساد إلا [110] وجه واحد ، وهو أن هذا الأصل معلول بهذه العلة أو لا ؛ وصار أقوى من خبر الواحد فوجب أن يقدم .
وقد اختلف في ذلك:
فقيل: خبر الواحد أولى من القايس في هذا الذي ذكرناه .
وقيل: القياس أولى لما ذكرناه. واختلف فيه أًحابنا ، والله أعلم . [111]
باب
القول في أن الحق واحد
من أقوال المجتهدين
قال القاضي ـ رحمه الله ـ:
ومذهب مالك ـ رحمه الله ـ أن الحق واحد من أقاويل المجتهدين ، وذلك أنه قال ـ لما سئل عن اختلاف أصحاب [112] رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس فيه سعة [113] إنما هو خطأ أوصواب ) ).
وكذلك قال الليث لما سئل عن ذلك .
وقال مالك ـ رحمه الله ـ (( قولان مختلفان لا يكونان جميعا حقا ، وما الحق إلا واحد ) ).